حنين اللون الأزرق.. تصوف فلسفي
– يطرح وهيب سراي الدين في روايته «حنين اللون الأزرق» عبر نظرته التصوفية قيماً اجتماعية تتضمن علاقة روحية، وسلوكاً اجتماعياً، وروابط فكرية ومعرفية، ونصاً محمولاً على رؤية ذاتية لمناحي الحياة الأدبية.
تشكّل الرواية عاملاً اجتماعياً يعالج قيماً إنسانية وأخلاقية بواقعية؛ فقد عرّف الكاتب جيريمي هاوثورن الرواية بأنها: «نثر قصصي متخيّل لحكاية طويلة تصوّر شخصيات أو أحداثاً تمثل الحياة الواقعية في الماضي أو الحاضر من خلال حبكة معقدة إلى حدّ ما».
رغم أن هذا التعريف يبدو أقرب إلى توصيف تقني للرواية، فإن العمل الروائي يبقى أوسع من أي تعريف مباشر، فهو بناء تخييلي يستعير من الواقع ملامحه، ويعيد تشكيل الأشخاص والأماكن والأحداث ضمن رؤية فنية تتقاطع فيها الحقيقة مع الخيال.
القارئ لرواية «حنين اللون الأزرق» يجد أمامه متغيراً قيمياً في مفهوم الكتابة الأدبية، يتجلّى في عدة مستويات، أبرزها:
- إقامة علاقة روحية بين مدركات الوجود والواقع المعيش.
- التشاكل بين النص التخيّلي والنص الإبداعي المرتبط بالبيئة المحلية.
- توظيف المخزون المعرفي المستمد من الفلسفة وعلم الاجتماع بوصفهما مرتبطين بالحياة والواقع.
- الميل إلى التأمل والسكون في اكتشاف القيم التي غلّفها الكاتب بصبغة صوفية وفلسفة روحية جدلية.
- البحث في علاقة القيم بالأنا الكلية وصهرها ضمن مفهوم الإبداع.
أطلق الراوي عنان أفكاره لخلق حالة من الارتباط الوثيق بين ما يكتبه وبين ما يختزنه من ثقافة وتجارب ووعي اجتماعي. وقد انعكس ذلك على بناء النص المرتبط ببيئته المحلية، وما تحمله من عادات وتقاليد وأعراف. فالثقافة الإبداعية التي يمتلكها الكاتب صنعت صراعاً ذاتياً دفعه إلى ابتكار الجملة والصورة والعبارة، متكئاً على المصطلح المحلي وكثير من المرويات التاريخية المشبعة برائحة الأرض وتعب الإنسان.
يحمل النص السردي انزياحاً دلالياً واضحاً في المشهد الأول من الرواية حين يبدأ بالقول:
«ملأتني رغبة جامحة في التعرّف إليه، كنت قد تركته منذ أيام الدراسة الأولى، ولكن عندما ذاع خبره، جرفتني رغبتي هذه، وصممت على أن أشبع فضولي به، أذهب إلى حيث يقيم، وأشاهده من جديد».
نلاحظ هنا كيف بدأ المشهد بوضع قيمة اجتماعية تبدو متناقضة في ظاهرها لكنها عميقة في مضمونها، وهي الوفاء والحنين إلى الماضي. فالفضول، بوصفه قيمة قد تُفهم اجتماعياً بصورة سلبية، استطاع الكاتب أن يوظفه بطريقة إنسانية إيجابية، عبر الإصرار على الذهاب والبحث واللقاء.
تدور جدلية اللقاء والمشاهدة ضمن ذاتية شخصانية تكشف شغف الكاتب بالفكر القائم على الجدل والتأمل، موظفاً نصه الأدبي في بناء شخصية تحمل بعداً بنيوياً في السلوك والتفكير.
ربما لم يذهب سراي الدين نحو المعيار البنيوي الصارم، لكنه نجح في التعبير والوصف السردي ضمن معالجته لقيم اجتماعية مثل الوفاء والانتماء، من خلال شخصية اعتمد فيها على المونولوج بين شخصية تخييلية مثالية وأخرى واقعية، بينما ظل الرابط بينهما هو الحركة المستمرة في البحث عن الذات.
اختار الكاتب وسيلة انفعالية تنقل القارئ إلى عالم آخر يخرجه من واقعيته اليومية إلى فضاء التخيل السردي. فالحديث والجدل في إشكالية الرواية ومواكبتها للمتغيرات الواقعية جعلا النص ينغمس في دراسة الواقع، مع ربط المتغير النصي بالبنية الغرائبية بما يتلاءم مع الحالة الإبداعية والهدف الذي يسعى إليه الكاتب في معالجته للمتغير الاجتماعي والثقافي.
ومن هنا تحمل الرواية في مضامينها مجموعة من التناقضات الخلّاقة بين الواقعية والوجودية، وبين التأمل الفردي والرؤية الاجتماعية.
من زاوية أخرى، نلاحظ في «حنين اللون الأزرق» تطلعاً نحو قيم أخرى غير الوفاء والانتماء، يتجلى في المشهد الثاني من الرواية:
«حقيقة الحياة غيبوبة وليست نشوة شحاذة، يطلبها المرء، وهو يقف في ركن معتم قصي من كرة الكون المطلقة».
هنا يبتعد سراي الدين عن المفهوم التقليدي للقيم، ليدخل في أسئلة الحقيقة الغائبة، القائمة على التأمل والفنتازيا، وكأنه يقترب من الرؤية التي أشار إليها الناقد الروسي ميخائيل باختين في حديثه عن العلاقة بين الحقيقة والوهم في العمل الروائي.
إن ارتباط الرواية بالحياة الواقعية لا يعني إقصاء الخيال والفانتازيا عن تجربة القراءة؛ فواحدة من أهم ميزات الرواية قدرتها على خلق عالم يمكن للقارئ الدخول إليه والتفاعل معه، عبر تداخل اليومي بالمتخيّل والواقعي بالرمزي.
لعل خيال سراي الدين وربطه السرد بمخزونه الفلسفي ودمجه بالتاريخ وما يحمله من دلالات إنسانية وواقعية، جعلاه يعيش فضاءً يتداخل فيه الواقعي باللاواقعي، ضمن عالم مشبع بالتصوف والتأمل والتمرد الهادئ على منظومة من العادات السائدة.
ارتباط اللغة بالقيم
تميّزت لغة الرواية بالبساطة والوضوح، بعيداً عن التعقيد اللفظي، مع اعتماد مفردات قريبة من الحياة الاجتماعية اليومية. وهنا يبرز سؤال مهم:
- ما علاقة الكاتب بشخصياته الروائية؟
- وما طبيعة هذه العلاقة؟
- وهل تقوم على التشاكل أم التماثل؟
إن جميع العوامل السابقة تؤثر، منفردة أو مجتمعة، في علاقة الكاتب بشخصياته، فتقرّبه منها أو تبعده عنها، وتجعل التماثل بينها وبينه ممكناً أو محدوداً، تبعاً لمدى اقتراب الشخصية من الواقع الذي يعيشه الكاتب أو عاشه سابقاً.
في المقابل، قد يحدث نوع من التشاكل بين الكاتب وشخصياته دون تطابق كامل، غير أن وجود قدر من التشابه يبقى أمراً حتمياً، فطالما هناك مؤلف وشخصيات روائية، فلا بد من وجود خيط ما يربط بينهما، حتى وإن لم يكن ظاهراً بشكل مباشر.
يبدو أن الكاتب أراد من خلال هذه المعالجة أن يؤكد وجود علاقة تماثلية جزئية بينه وبين شخصيات الرواية، بحيث يتكلم بلغتها ويعيش سلوكها ويتقاطع معها في منظومة القيم التي تحملها.
من خلال الإشارات الصوفية والتأملية ذات الأبعاد الاجتماعية والتاريخية، يمكن القول إن سراي الدين حاول أن يبني عالماً روائياً يستند إلى الذاكرة الإنسانية والبعد الروحي، مع الاحتفاظ بمسافة تأملية خاصة به.
تنطوي شخصيته الروائية على نزعة إنسانية واضحة، إذ يبدو أقرب إلى صورة المتصوف المتأمل الباحث عن الصفاء الروحي والوجودي، في محاولة للدمج بين العقل والروح ضمن رؤية فلسفية هادئة.
قد انعكس هذا التنوّع على النص الأدبي، الذي سعى إلى تقديم معالجة للقيم الاجتماعية والإنسانية من خلال لغة رمزية وتأملية، وصولاً إلى العنوان نفسه «حنين اللون الأزرق»، بما يحمله اللون الأزرق من دلالات ترتبط بالسكينة والثبات والإخلاص والحكمة والصفاء الروحي.
في المحصلة، تبدو رواية «حنين اللون الأزرق» واحدة من الروايات العربية التي تميل إلى الطابع الكلاسيكي، والتأكيد على القصدية الأدبية الفكرية التنويرية التوحيدية في بنائها ورؤيتها، مستفيدة من إرث الماضي ومتقاطعة مع أسئلة الحاضر، عبر معالجة فكرية وصوفية تتكئ على اللغة والأسلوب والرؤية التأملية في طرح القيم الاجتماعية والإنسانية.
