سيكولوجيا المجازر في سوريا
هذا النص ليس محاولة لتوثيق المجازر بوصفها أرقاماً أو أحداثاً عابرة، بل محاولة لفهم الأثر النفسي والاجتماعي الطويل الذي تركته سنوات القمع والحرب داخل المجتمع السوري.
ينطلق المقال من سؤال أعمق من العنف نفسه: كيف تتحول المجزرة من فعل استثنائي إلى احتمال متكرر؟ وكيف يعاد تشكيل الإنسان تحت الخوف والقهر والطائفية، حتى يصبح العنف جزءاً من اللغة اليومية والخيال الجمعي؟
من خلال قراءة تستند إلى مفاهيم في علم النفس الاجتماعي، يحاول النص الاقتراب من البنية النفسية التي جعلت السوريين يعيشون داخل دائرة مستمرة من الخوف والعنف، حيث لا تترك المجازر أثرها على الضحايا فقط، بل على المجتمع كله.
المجازر لا تبدأ لحظة إطلاق النار، بل تبدأ قبل ذلك بكثير…
— مايا العبدون
لم تكن المجزرة في سوريا حدثاً استثنائياً، بل جزءاً من تاريخ طويل من العنف الذي جرى إنتاجه، وإعادة إنتاجه بأشكال مختلفة. مسار العنف الطويل في سوريا شهد سنوات قمع أمني طويلة منذ الثمانينات لبداية الثورة ومن ثم الحرب السورية، التي نتج عنها قتل جماعي، اعتقال، تعذيب، وتهجير، وصولاً إلى مجازر الساحل والسويداء، حيث تبدو المجزرة في السياق السوري لمرتكبيها مجرد فعل دموي عابر، بل هي بنية متراكمة تشكّلت داخل المجتمع نفسه، وتغذت على الخوف والقهر وغياب العدالة.
المجزرة، في معناها الأعمق، ليست فقط قتل عدد كبير من الناس دفعة واحدة، بل لحظة انهيار كاملة للإنسان داخل الجماعة، لحظة يصبح فيها القتل فعلاً قابلاً للتبرير، ويصبح الضحية مجرد رمز لهوية أو طائفة أو منطقة أو موقف سياسي، لا إنساناً فرداً. ولهذا لا يمكن فهم المجازر السورية بوصفها أحداثاً أمنية أو عسكرية منفصلة، لأن العنف في سوريا لم يعد مجرد أداة تستخدمها السلطة، بل تحوّل تدريجياً إلى لغة اجتماعية متداولة، وإلى جزء من الخيال الجمعي للسوريين أنفسهم.
لفترة طويلة، عاشت سوريا تحت نظام قائم على الخوف بوصفه وسيلة حكم. كانت المجازر تُرتكب بصمت، ويتم التستر عليها إعلامياً، بينما تنتقل رواياتها بين الناس شفوياً. لأنه لم يكن ممكناً توثيق القتل علناً، مجرد نقل الحقيقة كان كفيلاً بتحويل صاحبها إلى ضحية جديدة.
ما بعد عام 2011 خلق تحولاً جذرياً في علاقة السوريين بالعنف. لم يعد القتل مجرد خبر خفي، بل صار مشهداً يومياً متداولاً بالصوت والصورة، ومع الوقت لم يعد التوثيق فعلاً سرياً فقط، بل أصبح أحياناً جزءاً من الجريمة نفسها.
أما ما بعد 8 ديسمبر، فقد كشف شكلاً أكثر علنية للعنف، حيث كشفت المجازر الأخيرة، وخصوصاً ما جرى في الساحل ثم السويداء، تحوّلاً خطيراً في شكل العنف نفسه.
“فالمسألة لم تعد مرتبطة بارتكاب الجريمة فقط، بل بعلنيتها أيضاً. فكمية المقاطع المصورة التي خرجت من الساحل والسويداء، بالإضافة لحجم الانتهاكات التي تم تداولها بشكل مباشر، أظهرا أن القاتل نفسه لم يعد يشعر بوجود خوف حقيقي من المحاسبة. وهذه ربما واحدة من أخطر النتائج النفسية والاجتماعية التي أنتجتها سنوات الحرب الطويلة: انهيار فكرة العقاب الأخلاقي والقانوني معاً.
إن أخطر ما يحدث للمجتمعات التي تعيش العنف لفترات طويلة ليس ارتفاع عدد الضحايا فقط، بل اعتياد العنف نفسه. يُنتج هذا الاعتياد نوعاً من التبلد العاطفي الجماعي، حيث يفقد المجتمع تدريجياً حساسيته تجاه المأساة، ويصبح العنف قابلاً للتكرار دون الصدمة الأخلاقية نفسها.
في هذا السياق، تبدو قراءة غوستاف لوبون حول “سيكولوجية الجماهير” شديدة القرب من فهم ما يحدث في المجازر الجماعية. فالفرد داخل الجماعة لا يبقى الفرد نفسه، إذ تذوب مسؤوليته الشخصية داخل الحشد، وتتراجع قدرته على التفكير العقلاني لصالح الانفعال والخوف والرغبة بالانتقام. الجماعة، خصوصاً في لحظات التوتر والانهيار، لا تتحرك دائماً وفق منطق أخلاقي، بل وفق منطق عاطفي وغريزي، حيث تنتشر الإشاعات بسرعة، ويتضخم الإحساس بالخطر، ويتحول الآخر إلى تهديد وجودي يجب التخلص منه.
وفي الحالة السورية، صنعت سنوات الحرب جماعات تعيش في حالة خوف دائم، ما جعل أي اختلاف ديني أو طائفي أو مناطقي قابلاً للتحول إلى مصدر تهديد مباشر. وهنا تصبح المجزرة ممكنة نفسياً، لا فقط عسكرياً. فحين تشعر الجماعة أنها مهددة، يصبح قتل المدنيين قابلاً للتبرير داخل المخيال الجمعي باعتباره “دفاعاً عن النفس” أو “حماية للوجود”، حتى عندما يكون الضحايا خارج أي سياق قتالي فعلي.
لكن تفسير المجازر من خلال الحشد وحده لا يكفي. وهنا تظهر أهمية مفهوم “الإنسان المقهور” عند مصطفى حجازي، الذي يرى أن القهر الطويل لا يُنتج فقط الخضوع، بل يُنتج أيضاً عنفاً كامناً داخل الأفراد والجماعات. فالشعور المستمر بالعجز والإهانة والحرمان وانعدام القيمة الإنسانية يخلق إنساناً مثقلاً بالقهر النفسي، عاجزاً عن مواجهة مصدر ألمه الحقيقي، فيبدأ بتفريغ هذا الاحتقان في أماكن أخرى، غالباً على الأضعف منه.
بهذا المعنى، لم ينتج النظام السوري خلال عقود مواطنين أحراراً بقدر ما أنتج أفراداً يعيشون داخل منظومة خوف دائمة. ومع انهيار مؤسسات الدولة وتفكك المجتمع خلال الحرب، لم يختفِ العنف، بل تغيّر اتجاهه فقط. فبعد أن كان عنفاً عمودياً تمارسه السلطة على المجتمع، تحوّل تدريجياً إلى عنف أفقي بين السوريين أنفسهم. وبدل أن يتجه الغضب نحو السبب المباشر الذي راكم هذا القهر، جرى تفريغه طائفياً ومناطقياً واجتماعياً داخل الجسد السوري ذاته.
ومن هنا يمكن فهم الطائفية، ليس فقط كأيديولوجيا كراهية، بل أيضاً كآلية خوف جماعية. ففي لحظات الانهيار، يبحث الإنسان عن جماعة تحميه، وتتحول الهوية الطائفية أو الدينية إلى ملجأ نفسي يشعر داخله بالأمان. لكن الجماعات لا تبني تماسكها الداخلي فقط عبر الانتماء، بل أيضاً عبر صناعة “العدو”. ولهذا تنتشر في أوقات المجازر خطابات مثل “نحن مهددون”، و”وجودنا في خطر”، و”إما نحن أو هم”. وهي عبارات لا تعبّر فقط عن الكراهية، بل عن خوف جماعي عميق يصبح قادراً على تبرير العنف نفسه.
ما حدث في الساحل بعد سقوط النظام ومن ثم السويداء لا يكشف فقط هشاشة الواقع الأمني الجديد في سوريا، بل يكشف أيضاً الأثر النفسي العميق الذي تركته عقود الاستبداد والحرب داخل المجتمع السوري. فالمجازر لا تبدأ لحظة إطلاق النار، بل تبدأ قبل ذلك بكثير، حين يُعاد تشكيل الإنسان تحت الخوف والقهر وانعدام العدالة، وحين يفقد المجتمع قدرته على رؤية الآخر بوصفه إنساناً كاملاً.


