سويداء داري

ذاكرة تُسمَع

 هناك من يكتب ليروي.
وهناك من يكتب ليشهد.
وهناك من يكتب لأنه لا يعرف كيف يحمل ما بداخله إلا بالغناء.

“سويداء داري… ودرب انتصاري.”
ألم نغنِّ يوماً: “فلسطين داري، ودرب انتصاري”؟
فكيف تبدّلت الأحوال؟
لا بأس… فحين يعلو صوت الحق، تتبدّد المفارقات.
نقف عرباً، ننشد للحق من الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب.
لم تكن قضيتنا يوماً إلا الإنسان المظلوم.

أما في بلادي، يا ولدي، فقد ظُلم أهلي، وأُهينوا.
لم يفرّقوا بين مدنيٍ أعزل وغيره.
لقد بنينا تلك الدار غرفةً غرفة،
وتقاسمنا التعب بابتسامة، والأمل بغدٍ أكثر إشراقاً.
كان كل حجر فيها يحمل حكاية.
وذلك الحائط كان سنداً لأبي كي لا يسقط.

وكانت الأبواب كثيرة، ومع كل باب كنا نغني:
يا داري…
يا دار السلام…
يا منبت الأحرار.

وإن لم تكن داري سوى غرفة، فقد كانت خير الديار.
واليوم…
سويدائي في قبضة الغزاة والجهل،
ونحن نقف على أبواب النصر، ننتظر.
حملنا السماء بأيدينا، ولم نرد سوى أن نبلغ العلا،
وأن نرفع اسم أبي، المنحوت بالتعب، إلى قمة المجد.
فمن حمل همّنا عمراً كاملاً يستحق ذلك.

وأمي…
لم تكن تحتضن وجعنا بحنانٍ ورأفة فحسب، بل كانت لنا سماءً كاملة.
ثم احتضنت السماء الجميع.
في بلادي، ننعي الصغير قبل الكبير.
ننعي كل إنسانٍ أعزل.

فمن جاءوا إلينا، لم يتربّوا على معنى السلام.
أيديهم ملطخة بالدم.
وقلوبهم سوداء.
ولا عزاء لبلادي بهم.

واليوم…
ما زلنا نغني…
رغم الوجع…
ورغم كل الوجوه الغريبة التي عبرت أرضنا العزيزة.
ولأن الوطن أكثر من مجرد جدران.
إنه ذكريات.
إنه كرامة.
ولا أحد يستطيع أن ينتزعها.

كتابة: جنى منير طحطح


يا داري…
يا دار السلام…
يا منبت الأحرار…
سويداء داري… ودرب انتصاري.