حين خذلتنا الإنسانية

ذاكرة تُروى و تشهد

كانت تموز مختلفة هذه المرة.
لم تكن حرارة شمسها ما أتعبني، بل شيء أثقل، كان يضغط على صدري كحجرٍ لا يُرفع.

في تلك الأيام، لم يعد أي صوت عادياً.
أي حركة في الشارع كانت ترعبني، وأي طرقٍ على الباب كان كفيلاً بأن يسرّع دقات قلبي حتى أكاد أسمعها. كنا نجلس بصمت، وكأننا نحاول أن نختبئ داخل أنفسنا، لا داخل البيت فقط.
لكن خوفي لم يكن عليّ وحدي.
كان على أختي.
كانت بعيدة في جامعتها، في محافظة أخرى.
كل دقيقة تمرّ من دون أن أسمع صوتها كانت تبدو ساعةً كاملة. لكن هذه المرة، لم يكن الصمت اختياراً.
انقطعت الكهرباء، ومعها انقطعت شبكات الاتصال.
صار الوصول إليها مستحيلاً؛ لا رسالة تصل، ولا اتصال يتم، ولا أي إشارة تطمئنني أو تطمئنها علينا.
كنت أنظر إلى هاتفي وكأنه سينطق فجأة.
أحمله، أفتحه، أُغلقه… بلا جدوى.
كل السيناريوهات السوداء كانت تعبر رأسي، وأنا عاجزة، محاصرة داخل بيتي، وداخل خوفي.
كنت أكتب لها: طمّنيني.
لكن الرسالة كانت تبقى معلقة، لا تصل، ولا يعود منها رد.
وكان هذا الفراغ أقسى من أي خبر.
وفي داخلي كان هناك شعورٌ أصعب من الخوف.
شعور الغدر.
أنا التي عشت سنوات أؤمن بالمجتمع السوري كله.
عملت، وتعبت، وشاركت في مبادرات، وجلسنا معاً نتحدث عن السلام، وعن التعايش، وعن أننا واحد.
لم أكن أردد هذه الكلمات فقط…
كنت أؤمن بها.
لكن فجأة، ظهرت أصوات من المجتمع نفسه، من أشخاص كانوا زملاء، أو شركاء، أو على الأقل وجوهاً مألوفة، يحرّضون، أو يبررون، أو يلتزمون الصمت تجاه غرباء دخلوا إلينا يقتلون، ويسرقون، ويرعبون الناس.
وكان السؤال الذي ظل يؤلمني دائماً:
كيف؟
كيف يمكن لأشخاص تحدّثوا يوماً عن الإنسانية أن يبرروا كل هذا؟
كيف صار الدم قابلاً للتفسير؟
وكيف صار الخوف أمراً عادياً؟
وعندما اضطررنا للخروج إلى الطرقات…
لم نعد نحن أنفسنا.
فالطرقات لم تعد طرقات.
كانت مشاهد محفورة في القلب، لا يمكن أن تُمحى.
جثث على الأرض.
أطفال.
نساء.
مسنون.
وجوه فقدت ملامحها، وأخرى بدت وكأنها ما زالت تسأل: لماذا؟
وبين كل تلك المشاهد…
بقيت لحظة لا أستطيع نسيانها.
وجوه الناس.
الناس الذين نزحوا من قراهم، وتركوا بيوتهم وذكرياتهم، وركضوا هرباً من الموت.
رأيتهم في الشوارع، ولم يكونوا متعبين فقط…
بل كانوا مكسورين.
كانت عيونهم مليئة بالخوف، وكأنهم لا يصدقون ما حدث لهم.
ولم يكن هذا المشهد للنازحين وحدهم.
حتى وجوه أهالي مدينتي، شهبا، كانت مختلفة.
كان الخوف واضحاً، والأمان قد اختفى، وكل واحد صار ينظر إلى الآخر وكأنه يسأله:
من القادم؟
وما الذي ينتظرنا؟
في تلك اللحظة…
شعرت بعجز لم أعرفه في حياتي.
أطفال في الشوارع.
أناس بلا بيوت.
أناس عطشى، وجائعة، ومتعبة.
وأنا أقف عاجزة، لا أستطيع أن أقدم شيئاً.
لا طعاماً.
ولا دواء.
ولا حتى ما يكفي من الماء.

كان أصعب شعور أن ترى الألم أمامك، ولا تملك القدرة على التخفيف منه.
ورغم كل ذلك…
ورغم الحصار الذي فُرض علينا…
ورغم قلة الماء، وانقطاع الغذاء، ونقص الدواء والعلاج، وغياب الكهرباء، وانهيار أبسط مقومات الحياة…
لم يستطيعوا أن يكسروا شيئاً واحداً.
أن نبقى معاً.
صرنا نتشارك كل شيء.
حتى كأس الماء.
صرنا نقسم الخبز، ونقسم الخوف، ونتقاسم المشاعر.
انفتحت البيوت للناس…
وانفتحت القلوب أيضاً.
ربما لم نستطع أن نوقف كل هذا الألم.
لكننا استطعنا أن نكون يداً واحدة في وجه كل ما كان يحاول أن يفرقنا.
صرنا ننام على القلق، ونستيقظ عليه.
نعدّ الطرق، ونراقب الأخبار، وننتظر اتصالاً، أو رسالة، أو أي دليل على أن من نحبهم ما زالوا بخير.
ومع كل هذا…

كان هناك شيء صغير جداً يحاول أن يبقى حياً داخلي.
فكرة أن كل ما حدث، رغم قسوته، لا يجب أن يسرق مني إنسانيتي.
لكن الحقيقة…
أن تموز هذا لم يمر.
ما زال يعيش داخلي.
في صوتي عندما أخاف.
وفي قلبي كلما قلقت على أختي البعيدة، وعلى أخواتي، وأهلي.
وفي ذاكرتي، كلما تذكرت كيف يمكن للإنسان أن ينكسر، ليس فقط من الخطر…
بل من الغدر.
ومن وجوهٍ لا تغيب.
ومن عجزٍ يعلّمك أن الإنسانية، أحياناً، تكون أكثر الأشياء إيلاماً.

كتابة وتوثيق: آية ابو عساف



كيف أصبح الدم قابلاً للتفسير،
وكيف صار الخوف أمراً عادياً؟.