بينَ الفنِّ والاجتماع: شباب السويداء ينتصرون للحياة بعد تموز الدامي
تجاوزت تداعيات الهجمة المسلحة التي اجتاحت محافظة السويداء في 14 تموز حدود السياسة والاقتصاد والأمن، لتمتدّ وتنهش نسيج المدينة الاجتماع؛ فإلى جانب الفقد والنزوح والحصار والأزمات المعيشية، خلّفت هذه الأحداث صدمةً مدوّية وندوباً نفسية غائرة، ظهرت آثارها جليّة لدى جيل الشباب واليافعين.
في ظل انقطاع التعليم وانكماش الفضاءات العامة، الواقعية والرقمية، كان من المرجح أن تستغرق استعادة التوازن النفسي لدى الفئة الشابة أمداً طويلاً. إلا أن الواقع تجاوز هذه التوقعات؛ فقد اندفع الشباب نحو التكتّل و”الاجتماع لأجل”، وتحولت لقاءاتهم إلى ورشات فعلية للإنتاج؛ الإنساني والفني، حيث تبادلوا خلالها التجارب وفرّغوا ثقل التجربة الجماعية في قوالب إبداعية.
لقد تحوّل انخراط هؤلاء الشبان والشابات واليافعين واليافعات في الممارسات الفنية إلى أداة قوة وتعافٍ فاعلة لكسر طوق العزلة الذي فرضته ظروف النزاع وتداعياته؛ إذ وجدوا في الرسم والموسيقا والمسرح والنحت وغيرها وسيلةً لاستعادة التوازن وتصريف فائض الأسى. كما أتاح لهم الفن، بصورته التشاركية، إعادة ترتيب الفوضى المحيطة بهم؛ فبدلاً من الركون إلى السكون والاستسلام، تحوّل الألم إلى فعل إبداعي وإنتاجي يمنحهم شعوراً بالقدرة والتمكّن. ومع استمرار الورش والاجتماع، بدأت تتشكل لديهم صلابة نفسية ملهمة جعلتهم أكثر قدرةً على مواجهة قسوة الواقع وتحديات الحياة اليومية.
خشبة المسرح للتعافي وإبراز المواهب
هذا التحول النفسي العميق وجد مساحته المادية في مبادراتٍ استلهمت روحها من الهوية الفنية الراسخة للسويداء. ومن أبرز هذه المبادرات بزغ ملتقى كرتون كحاضنة للإبداع؛ حيث يقول فراس حاتم، مؤسس ومدير مسرح كرتون للفنون:
“عندما انخفض صوت السلاح في المحافظة، تملكنا خوف حقيقي من فقدان سلاحنا الأساسي وهويتنا الأصيلة؛ الفن. فالفن موقف، والشباب عبّروا من خلاله عن خيباتهم وانكساراتهم، ورغبتهم الجامحة في النهوض من جديد”.
اليوم، لم يعد المسرح مجرد مكان للالتقاء العابر، بل صار فضاءً يتعارف فيه الفنانون ويتبادلون الخبرات؛ إذ يضم مختلف أشكال الفنون الأدائية، من الغناء والتمثيل وصولاً إلى عروض الرقص والتهريج وغيرها. وقد نجح الملتقى في تحويل حالة الهشاشة التي يعيشها الشباب إلى صلابة نفسية، مستندة إلى قوة الاجتماع وسلطة التعبير بالفن.
ويضيف حاتم في السياق ذاته:
“أثبتت تجربتنا التفاعلية أن الفن يعالج جروح الماضي، ويمنحنا القدرة على التحكم في حاضرنا لنتمكن من المضي قدماً نحو المستقبل؛ فالفن هو الحامل الوحيد تقريباً الذي استطاع أن ينهض بالمجتمع المحلي بعد كل ما حدث”.
وعلى الرغم من صغر حجمه الفعلي، منح مسرح كرتون، بسعته الرمزية، الفئة العمرية الأكثر تضرراً من العنف مساحةً حرة للفعل والإبداع. كما انخرط في عروضه موهوبون فقدوا ذويهم وأصدقاءهم وبيوتهم، ليجدوا في العمل الجماعي شبكة دعم بديلة عن الانكفاء الذاتي والعزلة.
لقد أكسب الملتقى، بنشاطاته التي تشبه إيقاع حياة الشباب وطاقتهم، المشاركين نوعاً من الصلابة النفسية التي كسرت حالة الجمود؛ فمن خلال خيارات فنية تحاكي اهتماماتهم وتطلعاتهم، استطاعوا إعادة ضبط بوصلة هويتهم بطريقة غير مباشرة. وهنا تكمن خصوصية التجربة؛ فقد شارك هؤلاء الشباب في النشاطات بشكل واعٍ، ليتعافوا بشكل غير واعٍ؛ فبينما كان انشغالهم منصبّاً على جودة العرض المسرحي أو الأداء الحركي، كانت جراحهم تلتئم في الخلفية.
التفريغ النفسي بالفن
“التعافي يكون أسرع عندما نجتمع؛ فالحوارات وتحويل الوجع إلى عمل فني ملموس، جعلنا أكثر قدرة على تقبل الكمد. لقد أثبت الفن عبر العصور أنه الأداة الوحيدة التي لا تعرف الاستسلام”.
بهذه العبارات وصفت نسرين الحسين، إحدى المشرفات على ورشة التفريغ النفسي بالرسم والأعمال اليدوية في مبادرة “لعيونك يا بلد”، جوهر العمل الذي انطلق لمداواة ندوب تموز في أرواح نساء السويداء.
المبادرة التي لم تضع المهارة شرطاً أولياً، ركزت بدلاً من ذلك على خلق بيئة آمنة للمشاركات لتبادل التجارب الأليمة وتحويلها من ثقل داخلي إلى منتج فني مرئي.
وتكمل الحسين:
“اشتغلنا بمبدأ أننا نجتمع لنُخرج ما بداخلنا أولاً، ثم تأتي المهارة؛ فالرسم والصلصال والأشغال اليدوية ساعدت الشابات والنساء على الوقوف من جديد والاستشفاء”.
لقد حوّل هذا النهج القائم على “الاجتماع للتفريغ” المكان إلى عيادة جماعية، تداوي فيها الشابات والنساء ندوب تموز بخطوط الألوان وعجينة الصلصال وأعمال الحياكة، معيداتٍ صياغة حكاياتهن الشخصية من منظور القوة لا الضحية.
كما ساعد النشاط المشاركات على الدخول في حالة من التدفق الذهني لمواجهة التغيرات التي طرأت على حياتهن، مما مهّد الطريق لتشكيل تصور لمستقبل أكثر إشراقاً. كذلك لعب الفن دوراً جوهرياً في توثيق الحادثة وتحويلها من صدمة مريرة إلى تجربة ومُنطلق.
وهذا ما أكدته إحدى المشاركات بقولها:
“عندما أمسكت بالريشة والأقلام شعرت أنني استعدت السيطرة على زمام حياتي، كما شعرت أنني قادرة على الإنجاز، وأخرجت كل السموم التي في داخلي”.
كورال تالا… الغناء في وجه الموت
شهدت السويداء بعد تموز الدامي طفرةً في ولادة الفرق الغنائية والكورالات، التي اتخذت في بداياتها طابعاً فلكلورياً وتأبينياً لشهداء المحافظة. ومع الوقت، وبدعمٍ من الحاضنة المحلية ووسائل التواصل الاجتماعي، تطورت هذه الفرق وتنوعت أنماطها الغنائية.
ومن أوائل الفرق التي سطع نجمها كان “كورال تالا”، الذي حمل اسماً تختزن حروفه ذاكرة مزدوجة للفقد؛ تيمناً بالشهيدة تالا حسام الشوفي، والطفلة تالا ربيع الخطيب التي شهدت مأساة مقتل عائلتها أمام عينيها.
وتستذكر ديانا خضر، التي أسست الفريق بالتعاون مع محمد سمّور، لحظة الولادة التي انبثقت من قلب النزوح، قائلة:
“انطلقت الفرقة من أطفال وشباب مراكز الاستضافة في مدينة صلخد بهدف الترفيه عنهم ومساعدتهم على تجاوز الصدمة، وشيئاً فشيئاً كبر الفريق وانضم إليه يافعون كانوا في الأصل مستمعين من الشريحة العمرية نفسها، لأنهم وجدوا في الموسيقى لغةً تشبههم”.
اندفعت الشريحة الناشئة نحو الغناء وعزف الآلات، لا سيما الشرقية منها، مستندةً إلى قاعدة معرفية سابقة مكّنتهم من استعادة أدواتهم الفنية وتوظيف مواهبهم سريعاً. وفي هذه المرحلة، لم يكن تجويد الأداء هو الغاية المطلقة، بقدر ما كانت تلك الحالة الشعورية التي تجلب الفرح وتستعيد مساحات الضوء من جديد؛ إذ استطاعت الفرق الموسيقية الناشئة بفنها تحقيق ما عجزت عنه الخطابات التقليدية ووسائل الإعلام، بعدما نجحت في كسر حاجز الصمت والرهبة.
كما وفّرت الموسيقى، ببنيتها الوديعة والمنسجمة، حالةً من الاتساق والسلام النفسي للمشاركين والمستمعين على حد سواء، لتتحول الأصوات إلى أداة للتطهير، فاتحةً مسارات للتعافي الجماعي عبر اللحن.
ورغم القسوة المحيطة، استمر الشباب في تنظيم مبادرات جمالية وأعمال فنية، مؤكدين من خلالها تمسكهم بالأمل وإرادة الحياة،
وهي الحقيقة التي لخّصتها ديانا خضر بقولها:
“الرسالة التي يحملها فريقنا هي أننا موجودون، وأن صوتنا وفننا أقوى من القتل والدم والحروب. ومع أننا خرجنا من تحت الرماد، استطعنا أن نثبت للعالم أجمع أننا صلبون وقادرون على الاستمرار”.

