مستقبل طلاب السويداء بين السطو السياسي والمجهول

في زاوية باحة مدرسة تحولت إلى مركز إيواء العام الماضي، يجلس طالب من السويداء أمام كتاب وكراسة مفتوحة، لا يدري إن كان ما حفظه لا يزال في ذاكرته، أم تلاشى تحت وطأة الخوف والاضطراب. يحاول أن يقنع نفسه بأن الامتحان قريب، وأن عليه أن يركز، لكن هناك أسئلة تلح عليه: هل سيُسمح له أصلاً بالتقدم؟ هل سيُعترف بنتائجه؟ وهل سيكون له مقعد على مدرجات الجامعة؟

لم يعد القلق مرتبطاً بصعوبة الأسئلة، بل بوجود الامتحان نفسه، وبما إذا كانت الأيام ستمر بسلام أم ستتحول، كما حدث العام الماضي، إلى لحظات خوف ونزوح. ومع اقتراب موعد امتحانات الشهادة الثانوية 2025–2026، يعيش آلاف الطلاب في السويداء هذا التوتر يومياً، بين استعداد لا يعرفون جدواه، ومستقبل معلّق على أسئلة بلا إجابات.

 

 

كان ذلك صباح امتحان عادي، جلس آلاف طلاب الشهادة الثانوية في السويداء أمام أوراقهم، يخطّون إجاباتهم في المادة الأولى، وعينهم على باقي أيام الامتحانات، قبل أن تنقلب حياتهم بعد أيام قليلة إلى مشهد مختلف تماماً؛ أصوات الرصاص والانفجارات، والبيوت التي تنهب وتحرق، والجثامين المنتشرة في الشوارع. فـمجازر تموز الأسود العام الماضي لم تترك لهم وقتاً لإكمال أحلامهم؛ توقفت الامتحانات، وبدأت فصول أخرى من الخوف والنزوح والبحث عن النجاة.

امتحانات غير معترف بها رسمياً
أكثر من 6 آلاف طالب وجدوا أنفسهم فجأة شهوداً على أحداث دامية، راح ضحيتها عدد كبير من المدنيين بين قتيل وجريح. ومع اتساع رقعة العنف، اضطر أكثر من 180 ألف شخص إلى النزوح من الريف الغربي والشمالي للسويداء، مثقلا عليهم بظلال حصار خانق، لا تزال آثاره مستمرة حتى اليوم.

بالنسبة لهؤلاء الطلاب، لم يعد الامتحان هو التحدي الأكبر، بل ما تبعه من اضطراب كامل في المسار التعليمي، في حين تحول البحث عن الاحتياجات الأساسية إلى أولوية يومية.

مرّت الأشهر، ومعها وعود بالاعتراف بنتائج امتحانات 2025 التي أُجريت لاحقاً بشكل منفرد داخل السويداء، في محاولة للتمسك بالحياة والالتحاق بالمستقبل. وتمسّك كثير من الطلاب بتلك الوعود كأمل أخير، قبل أن يكتشفوا أنهم مطالبون بإعادة الامتحانات والتقدم مجدداً لدورة عام 2026. فمنهم من فقد الشغف، ومنهم ما يزال متمسكاً بالفرصة.

اليوم، تجاوز عدد المسجلين 13,500 طالب، وفق مديرية التربية، التي أعلنت جاهزيتها لتنظيم الامتحانات، لكنها لم تقدّم إجابات حاسمة عن أسئلة أساسية: من سيشرف على الامتحانات؟ وهل سيدخل ممثلو الوزارة؟ وتحت أي شروط؟

ثقة مفقودة بالسلطات
في الشارع، لا يبدو الجدل تقنياً بقدر ما يرتبط بحالة من انعدام الثقة. فكرة دخول مندوبي وزارة التربية برفقة قوات أمنية تثير رفضاً لدى كثير من الأهالي، الذين ما تزال أحداث العام الماضي حاضرة في ذاكرتهم. في المقابل، تصرح الوزارة بأنها تريد الإشراف الكامل على العملية، ما يفتح الباب أمام خلافات تتجاوز مكان الامتحان إلى تفاصيله الدقيقة، من طباعة الأسئلة إلى تصحيح الأوراق.

وسط هذا المشهد، تتحرك العائلات في مساحة ضيقة بين خيارين كلاهما مكلف. تقول إحدى الأمهات، وهي تحاول ترتيب خياراتها:
“إما انتظار حل غير واضح داخل السويداء، أو إرسال ابني إلى دمشق لتقديم الامتحان”.
الخيار الثاني يعني استئجار منزل وتأمين نفقات شهر كامل، بمبالغ تفوق قدرتها، فضلًا عن القلق من الطريق وما قد يواجهه ابنها خارج مدينته. لذلك تحاول البحث عن طلاب آخرين لتقاسم تكاليف السكن والمعيشة.

ماذا بعد النجاح؟
أما الطلاب، فأسئلتهم لا تتوقف عند يوم الامتحان: “وإذا نجحنا، ماذا بعد؟”
سؤال يتكرر بينهم. فالتجارب الجامعية العام الماضي، وما رافقها من توترات دفعت عدداً كبيراً من طلاب السويداء إلى مغادرة الجامعات، ما تزال تلقي بظلالها على أحلامهم وقراراتهم. فقد أصبح النجاح بالنسبة لكثيرين، لا يضمن مستقبلاً واضحاً.

أحد الطلاب المهجرين من الريف الغربي للسويداء يروي قصته بهدوء متعب:
“تركت كتبي على الطاولة عندما خرجنا؛ لاحقاً، رأيت في تسجيلات أن المنزل احترق، وكانت كتبي بين النيران. منذ ذلك الوقت، لم أعد أفكر بالامتحان؛ أريد فقط أن أخرج من هنا”.

قصته ليست استثناءً، بل تشبه ما يعيشه كثيرون فقدوا منازلهم واستقرارهم، وأصبح التفكير بالدراسة بالنسبة لهم مؤجلاً أمام متطلبات الأمان والاستقرار.

في الخلفية، يستمر الخلاف السياسي في رسم ملامح هذا المشهد. تتبادل الحكومة والسلطة المحلية الاتهامات، بين الحديث عن تعطيل متعمد، أو استخدام التعليم كورقة ضغط . كما تحولت بعض القرارات الإدارية، مثل تعيين مدير جديد للتربية، إلى نقاط توتر إضافية، بعدما مُنع من مباشرة عمله، في مؤشر على عمق الانقسام القائم حول إدارة هذا الملف.

وبين هذه التجاذبات، يبقى ملف التعليم معلقاً، لا تحكمه جداول زمنية واضحة بقدر ما تؤثر فيه الخلافات والانقسامات القائمة. أما الطلاب، فيقفون في المنتصف، يحاولون التمسك بما تبقى من فرصة، بينما يراقبون مستقبلهم وهو يتشكل خارج إرادتهم.

ومع اقتراب موعد الامتحانات، لا تملك أكثر من 13,500 عائلة في السويداء ترف الانتظار الطويل أو تعدد الخيارات. بين ذكريات تموز القاسية، وضبابية القرارات المرتبطة بالملف التعليمي، يعلّق الأهالي آمالهم على إمكانية عبور هذه المرحلة بأقل الخسائر، واستعادة حق أبنائهم الطبيعي في التعليم.

في هذه المدينة التي كانت تُقدَّم عام 2008 منطقة خالية من الأمية، لم يعد التعليم مجرد وسيلة لتحسين الظروف المعيشية أو المكانة الاجتماعية، بل أصبح بالنسبة لكثيرين محاولة للحفاظ على ما تبقى من المستقبل.

وبينما تستمر الخلافات السياسية والإدارية حول هذا الملف، يبقى السؤال الأثقل معلّقاً:
هل يحصل هؤلاء الطلاب على فرصة حقيقية لاستكمال تعليمهم، أم يستمر مستقبلهم رهينة للاضطراب والانقسام؟

كتابة: رواد بلان