ثلاث ساعات عجاف

ذاكرة تشهد

طالما حلمت “آية” بتلك اللحظة التي ستقف فيها على منصة التخرج، تحمل شهادتها بين يديها، وتستقبل نظرات الفخر من والديها وأساتذتها.
أربع سنوات مضت، قضتها بين جدران الجامعة، تتنقل بين الكتب والاختبارات، وداخل أروقة الحرم الجامعي، تقاوم تعب الأيام وتصبر على أحلامها.
كانت أربع سنوات من الاجتهاد والمثابرة، رأت في شهادتها الجامعية بداية لحياة جديدة، ولم تكن تعلم أن كل تلك السنوات ستقودها إلى لحظة ستغيّر مصيرها بالكامل.
في عامها الدراسي الأخير، وجدت نفسها أمام منعطف لم تتخيل يوماً أنها ستواجهه.
فالأحداث التي شهدتها السويداء خلال الأشهر السابقة لم تتوقف آثارها عند حدود المدينة، بل امتدت إلى تفاصيل حياة طلابها وطالباتها، وألقت بظلالها على مستقبلهم الدراسي.
وسط هذا الواقع، علمت آية أنها قد لا تتمكن من إكمال دراستها كما خططت، فشعرت أن سنوات التعب أصبحت مهددة بالضياع، وأن المستقبل الذي رسمته لنفسها بات أكثر غموضاً.
لكن، على الرغم من ذلك، بقيت متمسكة بالعودة إلى السويداء، المدينة التي تربّت فيها وتحمل لها معنى البيت والانتماء.
كانت تريد أن تبدأ من جديد، وأن تستعيد شيئاً من حياتها بعد أشهر غيّرت إيقاع المدينة وأثقلت يوميات أهلها بالخوف والانتظار.
أرادت أن تعود وهي متمسكة بما تبقى من حلمها، مؤمنة أن الطريق قد يطول، لكنه لا ينتهي ما دام الإنسان قادراً على المحاولة.
في طريق العودة من دمشق إلى السويداء، كانت آية تحمل معها أكثر من حقيبة سفر. كانت تحمل سنوات من الدراسة، وأملاً بأن تبدأ فصلاً جديداً من حياتها. لم تكن تعرف أن الطريق الذي يفترض أن يعيدها إلى بيتها، سيتحول إلى آخر طريق تسلكه.
توقفت في محطة للحافلات بانتظار اكتمال عدد الركاب، ثم انطلقت الرحلة. كانت الحافلة تقل أطفالاً ونساءً ومسنين، لكل واحد منهم وجهة وقصة مختلفة، أما بالنسبة لآية فلم تكن الرحلة مجرد انتقال من مدينة إلى أخرى، بل محاولة للعودة إلى المكان الذي شعرت فيه دائماً بالأمان، بعد أشهر أثقلها القلق والخيبة.
لكن، كما يحدث أحياناً، لا تسير الأمور كما نخطط لها.
وأثناء مرور الحافلة في إحدى النقاط الواقعة إدارياً ضمن ريف دمشق، تعرضت الحافلة القادمة من دمشق إلى السويداء لإطلاق نار، فأُصيب عدد من الركاب، وقُتل اثنان منهم، كانت آية سلام إحداهما.
لم يستوعب الركاب في البداية ما يحدث، قبل أن تخترق الطلقات الحافلة وتصيب من فيها. وفي لحظات، تحولت الرحلة إلى مشهد من الفوضى والخوف.
تسارعت نبضات القلوب، وتعالت أصوات المصابين، بينما حاول السائق مواصلة السير بأقصى سرعة للخروج من مرمى النيران.
أما آية، فلم تمهلها اللحظات وقتاً للفهم أو النجاة. أصابتها إحدى الرصاصات، فسقطت داخل الحافلة، بينما واصلت المركبة طريقها نحو السويداء.
عندما وصلت الحافلة إلى وجهتها، لم تكن تحمل ركابها فقط، بل كانت تحمل معها مشهداً مثقلاً بالخسارة والصدمة.
أما آية، فلم تصل كما كانت تتمنى. كانت أولى ضحايا ذلك الاستهداف، لتنتهي رحلتها قبل أن تتمكن من إنهاء الفصل الأخير من حلمها الجامعي.
لم تصل آية إلى بيتها، رغم أن المسافة كانت تقترب من نهايتها. كانت تحمل شهادة أنهت بها سنوات من الاجتهاد، لكن الطريق سبقها إلى نهاية لم تخترها. وبين اسمها الأول “آية” واسم عائلتها “سلام”، بقيت قصتها شاهدة على حلم انقطع قبل أن يبدأ.
في مدينة عُرفت باهتمامها بالتعليم والحياة الثقافية، شكّل رحيل آية صدمة لكل من عرف قصتها. لم تُكتب شهادة تخرجها كما حلمت، لكن اسمها بقي حاضراً في ذاكرة من عرفها، بوصفها طالبة لم يمهلها الطريق لتكمل ما بدأته.
لم تُتح لآية فرصة الوقوف على منصة التخرج التي انتظرتها طويلاً، لكن قصتها بقيت شاهدة على هشاشة الطريق الذي يفصل أحياناً بين الحلم والنهاية. قد تُطوى الحوادث في نشرات الأخبار بعد أيام، لكن حياة كاملة كانت تنتظر أن تبدأ انتهت خلال رحلة لم تستغرق سوى ساعات.
ولهذا، لا تُروى حكاية آية بوصفها رقماً في حادثة، بل بوصفها طالبة كانت عائدة إلى بيتها، تحمل سنوات من الاجتهاد وأملاً بمستقبل مختلف… لكنها لم تصل.

كتابة وتوثيق: ياسمين أيمن مسعود


أما آية، فلم تصل كما كانت تتمنى. كانت أولى ضحايا ذلك الاستهداف، لتنتهي رحلتها قبل أن تتمكن من إنهاء الفصل الأخير من حلمها الجامعي.