تموز الذي لم ينتهِ

أكتب هذه الكلمات اليوم، لا لأروي حكايةً من الماضي، بل لأنقل وجعاً وفخراً ما زالا ينبضان في عروقنا، كجرحٍ يأبى الالتئام. فما جرى في تموز لم يكن يوماً عابراً طواه النسيان، بل زلزالاً امتدت ارتداداته إلى كل زاوية من تفاصيل حياتنا، وإلى كل غصّة ما زالت تسكن صدورنا حتى هذه اللحظة.

كان الأثر الأعمق لذلك اليوم تلك الغصّة المريرة؛ الكسرة التي استوطنت ملامح أهالي الشهداء، والوجع الصامت في البيوت التي انطفأت قناديلها. ولم يتوقف أثر الفقد عند من رحلوا، بل امتد ليحاصر أحلامنا الغضّة، ويثقل مستقبلنا الدراسي الذي تعثر، ودراستنا التي ما زالت تدفع ثمن الفوضى والحصار. وكأننا، حتى اليوم، ما زلنا عالقين في تلك اللحظة، نحاول أن نحمي أحلامنا من واقعٍ يسرق منا الأيام.

ولم يقتصر أثر تموز على ما عشناه آنذاك، بل ترك في داخل كل واحدٍ منا شعوراً دائماً بالمسؤولية تجاه من ضحّوا. فقد علّمنا أن الأوطان لا تُصان بالكلمات وحدها، بل بالصبر والثبات والعمل، وأن دماء الشهداء أمانة في أعناقنا، تدفعنا لأن نكون على قدر تضحياتهم.

الحرب لم ترحل، بل ما زالت تتربص بنا خلف هدناتٍ تُخرق، واعتداءاتٍ تجعل الخوف رفيقاً يومياً. أما الأثر الأقسى في أرواحنا، فهو أننا ما زلنا نودّع رفاق الصبا وإخوة السلاح، وما زلنا ننثر قطعاً من قلوبنا في قوافل الراحلين.

ومع ذلك، يشرق وسط هذا الحزن الممتد نور تضحيات الأنقياء، فيمنحنا القدرة على الصمود. فلولا تلك الأرواح الطاهرة التي انصهرت كشموعٍ لتضيء لنا عتمة الخوف، ولولا الأبطال المرابطون الذين يسيّجون حدود أحلامنا بصدورهم، ويحرسون أنفاسنا حتى هذه الساعة، لما كنا هنا اليوم لنكتب، أو لنحلم، أو لنبقى.

سلامٌ لأولئك الذين غابوا لتشرق فينا الحياة، وتحية إجلال لكل يدٍ قابضة على جمر الجبل، تحمي بقاءنا.

نحن لا نتذكر تموز، بل نعيشه كل يوم؛ بمرارة فقده، وبعظيم فخرنا بمن رحلوا، وبمن ما زالوا صامدين كالجبال، يحرسون كرامة السويداء، ويكتبون في كل يوم صفحةً جديدة من الصمود والعزة.

كتابة: سيدرا نادر


سلامٌ لأولئك الذين غابوا لتشرق فينا الحياة، وتحية إجلال لكل يدٍ قابضة على جمر الجبل، تحمي بقاءنا.