موقف ملاذ حول استهداف المدنيين
صدر هذا الموقف على خلفية التفجير الذي وقع مساء 6 أغسطس 2026 في مدينة جرمانا بريف دمشق
موقف ملاذ حول استهداف المدنيين
في لحظات كهذه، لا يكفي أن نسأل: ماذا حدث؟
هناك سؤال آخر لا يقل أهمية:كيف نحمي الإنسان؟
في ملاذ، نرى أن بعض الأحداث تستدعي أكثر من المتابعة الإخبارية أو تسجيل الوقائع.
تستدعي أن نوضح المبادئ التي نقف عليها، وأن نحدد ما الذي يجب أن يبقى ثابتاً عندما تصبح حياة الناس وأمنهم وكرامتهم مهددة.
الإنسان أولاً
لا يمكن أن تكون حياة الإنسان ثمناً لعقيدة، أو هوية، أو مشروع سياسي.
حين تتحول العقيدة أو الهوية أو السياسة إلى مبرر لإهدار حياة الإنسان، فإن المشكلة لم تعد في الاختلاف، بل في سقوط القيمة التي تجعل الإنسان غاية لا وسيلة.
الاختلاف الفكري والديني والسياسي جزء من الحياة الإنسانية، ولا يمكن أن يكون بحد ذاته مبرراً للعنف أو لاستباحة حياة الآخرين.
وعندما تتحول الأفكار إلى أدوات لتبرير قتل المدنيين أو إخافتهم أو استباحة أمنهم، فإننا لا نكون أمام خلاف فحسب،
بل أمام انهيار لقيمة أساسية: حق الإنسان في أن يكون إنساناً، قبل أي انتماء آخر.
استهداف المدنيين ليس مجرد حدث أمني
كل اعتداء يستهدف المدنيين لا يستهدف أشخاصاً فقط.
إنه يستهدف أيضاً شعور الناس بالأمان، والثقة بينهم، وقدرتهم على ممارسة حياتهم اليومية دون خوف.
وقد يترك أثراً يتجاوز لحظة الانفجار نفسها؛ في البيوت، وفي الشوارع، وفي ذاكرة الأشخاص الذين عاشوا الحدث
أو فقدوا شخصاً أو أصيبوا أو اضطروا إلى مواجهة الخوف مرة أخرى.
لهذا، فإن حماية الإنسان لا تبدأ بعد وقوع الأذى فقط.
بل تبدأ من رفض تحويل حياة الناس إلى مساحة مفتوحة للعنف.
قبل الأرقام، هناك إنسان
في الأزمات، تصبح أرقام الضحايا جزءاً أساسياً من المشهد، ومن حق الناس أن يعرفوا ما حدث بدقة.
لكن وراء كل رقم إنساناً.
وراء كل إصابة شخصاً له حياة وعائلة وذاكرة.
وراء كل وفاة عائلة ستعيش أثرها.
ولهذا فإن التعامل مع الضحايا لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد حصيلة تتغير مع الأخبار، بل يجب أن يبقى مرتبطاً بالاحترام والمسؤولية والكرامة.
أول ضحية للتطرف هي الإنسان.
قبل الأرقام.
قبل السياسة.
قبل البيانات.
قبل الانتماءات.
الحقيقة جزء من حماية الإنسان
في أوقات الأزمات، لا تقتصر المسؤولية على إنقاذ المصابين وحماية الناس من الخطر المباشر، بل تمتد أيضاً إلى حماية الحقيقة.
المعلومة الدقيقة ليست تفصيلاً إعلامياً.
إنها جزء من حق الناس في المعرفة، وجزء من قدرتهم على اتخاذ قراراتهم، وجزء من استعادة الثقة التي يمكن أن تتصدع سريعاً أمام التضارب والشائعات والمعلومات غير الموثقة.
ومن الطبيعي أن تتغير الحصيلة الأولية في الحوادث الكبرى مع وصول معلومات جديدة أو استكمال التقييم الطبي والشرعي.
لكن المسؤولية تقتضي أن يكون التحديث واضحاً، وأن يُنسب إلى مصدره، وأن يُشرح عندما تتغير المعلومات.
فالخبر الخاطئ لا يختفي أثره بالضرورة بعد تصحيحه؛ خصوصاً عندما يتعلق الأمر بحياة الناس وسلامتهم.
لا تبرير للعنف ضد الإنسان
في ملاذ، نرفض استهداف المدنيين أياً كان الفاعل، وأياً كانت العقيدة أو الهوية أو المبررات السياسية التي تُستخدم لتفسير العنف.
لا نرى في الاختلاف الديني أو السياسي أو الفكري مبرراً لإهدار حياة الإنسان.
ولا نرى أن أي مشروع يمكن أن يكتسب مشروعيته من الخوف الذي يفرضه على الناس، أو من الدم الذي يسفكه، أو من الكرامة التي ينتهكها.
فالإنسان ليس وسيلة لإيصال رسالة.
وليس أداة لتحقيق انتصار.
وليس رقماً في حصيلة.
الإنسان هو نقطة البداية.
لماذا يصدر ملاذ هذا الموقف؟
لأن الدفاع عن الإنسان لا يقتصر على توثيق ما حدث بعد وقوعه.
في ملاذ، نعمل على حفظ الذاكرة، والاستماع إلى التجارب الإنسانية، وإتاحة مساحة للأصوات التي قد تضيع وسط الأحداث الكبرى.
لكن حفظ الذاكرة وحده لا يكفي.
نحتاج أيضاً إلى أن نكون واضحين بشأن المبادئ التي نقرأ من خلالها هذه الأحداث.
ولهذا تأتي «مواقف ملاذ» بوصفها مساحة نعلن فيها مواقفنا الأخلاقية والحقوقية تجاه القضايا التي تمس الإنسان وكرامته.
هذه المواقف ليست بيانات مرتبطة بلحظة عابرة، ولا ردود فعل على حدث واحد.
إنها محاولة لبناء مرجعية يمكن الرجوع إليها، وتطويرها، ومساءلة أنفسنا من خلالها مع تغير السياقات والأحداث.
ما نؤمن به
نؤمن بأن:
- لكل إنسان الحق في الحياة والأمان والكرامة.
- استهداف المدنيين مرفوض، أياً كان الفاعل أو المبرر.
- الاختلاف الديني والسياسي والفكري لا يبرر العنف.
- الإنسان لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لتحقيق أهداف أخرى.
- الحقيقة والدقة جزء من المسؤولية تجاه الناس، خصوصاً في أوقات الأزمات.
- حماية الذاكرة وحماية الإنسان مسؤوليتان متصلتان.
- الكرامة الإنسانية لا تتجزأ بتغير الهوية أو الانتماء أو الموقف السياسي.
قد تختلف السياقات.
وقد تختلف الأطراف.
وقد تختلف الروايات السياسية.
لكن هناك أشياء نعتقد أنه يجب ألا تتغير بتغيرها:
أن حياة الإنسان ليست قابلة للمساومة.
وأن الأمان ليس امتيازاً لفئة دون أخرى.
وأن الكرامة ليست مرتبطة بانتماء.
وأن الحقيقة ليست رفاهية في زمن الأزمات.
في ملاذ، نريد أن تبقى هذه المبادئ واضحة، ليس فقط عندما يكون من السهل قولها، بل خصوصاً عندما يصبح التمسك بها أكثر صعوبة.
الرحمة للضحايا، والشفاء للمصابين، والسلام لكل من يعيش تحت وطأة الخوف.
موقف ملاذ | 01
استهداف المدنيين
6 أغسطس 2026
جرمانا، ريف دمشق
