موقف ملاذ من التعذيب
هناك أحداث لا يكفي أن نتابعها كأخبار، لأنها تعيد أمامنا سؤالًا أساسيًا عن قيمة حياة الإنسان وكرامته.
موقف ملاذ من التعذيب
هناك أحداث لا يكفي أن نتابعها كأخبار، لأنها تعيد أمامنا سؤالاً أساسياًعن قيمة حياة الإنسان وكرامته.
جددت حادثة وفاة شخص بعد تعرضه للتعذيب أثناء الاحتجاز في سوريا الحديث عن التعذيب، وأعادت إلى الواجهة ذاكرة طويلة من الانتهاكات التي عرفتها البلاد.
في ملاذ، لا نرى التعذيب مسألة سياسية تخص جهة دون أخرى، ولا جريمة يمكن تبريرها بالاتهام أو الانتماء أو الظروف الأمنية.
التعذيب مرفوض، أياً كان مرتكبه، وأياً كانت هوية الضحية.
لا يمكن بناء مجتمع آمن من خلال الخوف، ولا يمكن أن تبدأ العدالة من انتهاك الجسد.
كما نرفض أن تتحول قضايا التعذيب إلى أدوات للمزايدة السياسية؛ فرفض التعذيب لا يتغير بتغير السلطة أو الجهة أو الضحية.
حماية الإنسان لا تنتهي عند رفض الجريمة
في ملاذ، نؤمن أن حماية الإنسان تبدأ برفض التعذيب، لكنها لا تنتهي عنده.
فعندما يموت إنسان داخل مؤسسة يفترض أن تكون مسؤولة عن احتجازه وسلامته، لا يقتصر السؤال على الفاعل المباشر، بل يمتد إلى البيئة التي سمحت بحدوث الانتهاك، وإلى قدرة المؤسسات على الحماية والتحقيق والمحاسبة.
كما يمتد إلى قدرة الإعلام والمجتمع على الوصول إلى الحقيقة، وعلى إبقاء الانتهاك مرئياً وقابلاً للنقاش والمساءلة.
المعلومة الدقيقة ليست تفصيلاً إعلامياً؛ إنها جزء من قدرة المجتمع على حماية الإنسان.
لا نريد اختزال الصمت في «الشعب»
لا نريد أن نختزل المسألة في سؤال:
لماذا صمت المجتمع؟
ولا نريد في المقابل أن نبرئ المجتمع من مسؤوليته.
فبين الجريمة والجمهور توجد منظومة كاملة من:
المؤسسات، والقانون، والإعلام، ومصادر المعلومات، والشبكات الاجتماعية، والخطاب السياسي، والذاكرة الجماعية، والخوف.
لذلك نريد أن نفهم الشروط التي تجعل مجتمعاً يستجيب لعنفٍ ما، بينما يمر عنفٌ آخر بصمت.
فالمسألة ليست فقط: هل عرف الناس بما حدث؟
بل أيضاً:
كيف عرفوا؟
من نقل إليهم المعلومة؟
هل وثقوا بها؟
هل استطاع الإعلام متابعتها؟
هل شعر الناس بالأمان الكافي للتعبير عنها؟
وكيف تتحول المعرفة بالألم إلى استجابة جماعية؟
عندما يكسر حدث واحد الصمت
لا نريد أن نسأل فقط:
لماذا يحدث التعذيب؟
نريد أيضاً أن نسأل:
ماذا يحدث للمجتمع عندما يصبح التعذيب معروفاً ثم يصمت؟ وماذا يحدث عندما يكسر حدث واحد هذا الصمت؟
بعض أحداث العنف تتحول إلى قضايا عامة وتنتج عنها موجات من الغضب والنقاش والمطالبة بالمحاسبة، بينما تمر أحداث أخرى بصمت نسبي.
هذا الاختلاف في الاستجابة لا يعني بالضرورة أن إحدى الضحايا أكثر قيمة من الأخرى، بل يدفعنا إلى النظر في الشروط الاجتماعية والإعلامية والمؤسساتية التي تجعل بعض الألم مرئياً وبعضه أقل ظهوراً.
وهنا يبدأ السؤال البحثي.
الإعلام بوصفه مساحة للمراقبة
الإعلام المستقل ليس مجرد وسيلة لنقل الأخبار.
إنه إحدى المساحات التي تجعل العنف مرئياً، وتتيح للمجتمع معرفة ما يحدث، وتمنح الجمهور إمكانية مساءلة السلطة.
وحين تضعف هذه الوظيفة، لا تختفي الجريمة بالضرورة، بل قد تصبح أقل قابلية للرؤية والنقاش والمساءلة.
ومن هنا نطرح سؤالاً نريد أن ندرسه بصورة أعمق:
ما مدى قدرة البيئة الإعلامية والمؤسساتية الناشئة على أداء وظيفة المراقبة المستقلة للسلطة، في ظل القيود القانونية، وغموض حدود النقد، والضغوط التي قد تدفع الصحفيين إلى الرقابة الذاتية؟
هذا السؤال لا يفترض إجابة مسبقة، ولا يهدف إلى تبرئة الإعلام أو إدانته، بل إلى فهم موقعه داخل منظومة أوسع من إنتاج المعلومات والثقة والخوف والاستجابة الجماهيرية.
المسؤولية موزعة على أكثر من مستوى
نرى أن المسؤولية في مواجهة التعذيب لا يمكن اختزالها في مستوى واحد.
هناك مسؤولية المؤسسات في منع الانتهاكات والتحقيق فيها ومحاسبة مرتكبيها وضمان سلامة المحتجزين.
وهناك مسؤولية الإعلام في الوصول إلى المعلومات والتحقق منها ونقلها ومراقبة السلطة.
وهناك مسؤولية المجتمع في رفض العنف ومقاومة اعتياده وتحويل معرفة الألم إلى مساءلة.
وهناك مسؤولية كل فرد في رفض أن يصبح انتهاك الإنسان أمراً عادياً لمجرد تكراره.
لا نبحث عن طرف واحد نضع عليه كل اللوم.
نريد فهم المنظومة التي تجعل العنف ممكناً، والصمت ممكناً، والاستجابة ممكنة أيضاً.
موقفنا
في ملاذ، نرفض التعذيب أياً كان مرتكبه وأياً كانت هوية الضحية.
ونرى أن كرامة الإنسان ليست قيمة تتغير بتغير السلطة أو الانتماء أو السياق.
لا يمكن أن يكون الاتهام مبرراً للتعذيب.
ولا يمكن أن تكون الهوية مبرراً للتعذيب.
ولا يمكن أن تكون السياسة أو الأمن أو أي مشروع فكري مبرراً لانتهاك الجسد.
لا للتعذيب.
لا لاستباحة الجسد.
ولا حصانة لأي سلطة أمام كرامة الإنسان.
من الموقف إلى البحث
هذا الموقف ليس بحثاً مكتملاً، ولا يقدم إجابات نهائية عن سلوك المجتمع أو الإعلام أو المؤسسات.
بل هو نقطة بداية لسؤال بحثي نريد أن نعود إليه بمزيد من الوقت والبيانات والشهادات والتحليل.
سنعمل في المرحلة القادمة على استكشاف العلاقة بين:
العنف والإعلام والرأي العام والثقة بالمؤسسات والذاكرة الجماعية وآليات الصمت والاستجابة الجماهيرية.
وسنحاول النظر إلى هذه المسائل من أكثر من زاوية، بدل اختزالها في تفسير سياسي أو أخلاقي واحد.
لأن فهم الصمت لا يعني تبريره، وفهم الاستجابة لا يعني تمجيدها، ودراسة الجمهور لا تعني تحميله وحده مسؤولية ما يحدث.
نريد أن نفهم الصورة كاملة.
الموقف ثابت. والبحث يحتاج إلى وقت.
مواقف ملاذ مساحة نجمع فيها مواقفنا الأخلاقية والحقوقية تجاه القضايا التي تمس الإنسان وكرامته، انطلاقاً من مبادئ ثابتة لا من ردود فعل مؤقتة.
هذا موقف ملاذ.
أما الأسئلة التي يفتحها هذا الموقف، فستكون موضوعاً للبحث.
اقرأ البحث عند صدوره →
موقف ملاذ | 02
موقف ملاذ من التعذيب
17 أغسطس 2026
