لم يعد الجوار آمن
هذا النص يروي تجربة فردية حقيقية داخل سياق اجتماعي مضطرب، حيث تتداخل العلاقات المحلية مع لحظات انهيار الأمان، ويصبح مفهوم الحياد نفسه موضع اختبار. ليست القصة عن طرف ضد آخر، بل عن إنسان وجد نفسه فجأة أمام واقع تتغير فيه معايير الأمان، ويتحول فيه المكان المألوف إلى مساحة غير مضمونة.
قريب يُدعى حسن، رجل في منتصف العمر، يعيش في قرية هادئة نسبياً. يمتلك بيتاً واسعاً مبنياً على الطراز الروماني الحجري القديم، ويطل على أطراف البلدة كأنه جزء ثابت من المكان. يعمل في التجارة والزراعة، وقد وفّر له ذلك استقراراً مادياً مكّنه من لعب دور اجتماعي معروف في محيطه: استقبال الناس، إصلاح ذات البين، والمساهمة في تسويات الخلافات المحلية.
مع الوقت، أصبح بيته مقصداً لمن يبحث عن حل أو تهدئة لنزاع.
كان حسن يميل إلى الحياد في كل ما يحيط به، ويتجنب الانخراط في أي اصطفافات، معتقداً أن البقاء خارج التوترات العامة هو الشكل الأكثر أماناً للاستقرار الفردي. بالنسبة له، كان الحفاظ على الحياة اليومية الطبيعية أهم من الدخول في تعقيدات لا تخصه مباشرة.
في مساء أحد الأيام، بدأ يسمع تحركات غير مألوفة في محيط القرية، وأصواتاً متقطعة توحي باضطراب أمني متصاعد. لاحقاً، تبيّن أن توتراً قد بدأ بين قوات أمنية ومجموعات مسلحة محلية. في تلك اللحظة، لم يتعامل حسن مع الأمر بوصفه تهديداً مباشراً، وظل متمسكاً بفكرة أن ما يجري خارج نطاقه الشخصي.
مع صباح اليوم التالي، بدأت حركة نزوح جزئي من القرية، حيث غادر بعض الأهالي بشكل سريع. إلا أن حسن بقي في منزله، متردداً بين المغادرة أو البقاء، ومقيّماً الوضع من زاوية الخسائر المحتملة أكثر من زاوية المخاطر المباشرة. كان يرى أن كثيرين ما زالوا في بيوتهم، وأن المغادرة قد تعني خسارة غير قابلة للتعويض.
في أحد الأيام، صعد إلى سطح منزل أحد الجيران، حيث اتضحت له صورة أكثر كثافة للمشهد، آليات عسكرية تنتشر على الطريق العام، وأضواء متحركة تعكس وجوداً أمنياً واسعاً. بالنسبة له، كانت هذه اللحظة بمثابة مؤشر على تحوّل كبير في طبيعة الوضع، حتى لو لم يكن واضحاً بعد إلى أين يتجه.
في اليوم التالي، دخلت قوات أمنية إلى القرية وبدأت بالانتشار داخل الأحياء. خلال إحدى المداهمات، تم سؤال حسن عن هويته الدينية، فأجاب بما اعتقد أنه يجنّبه أي إشكال مباشر، ثم سُئل عن وجود سلاح في منزله فنفى ذلك. بعد تفتيش سريع، لم يتم التعرّض له، واستمرت الدورية في طريقها.
في الأيام التالية، بقي الوضع متوتراً مع غياب اشتباكات واسعة داخل القرية، ما خلق حالة من الترقب وعدم اليقين لدى السكان. بدا المشهد مستقراً نسبياً من الخارج، لكنه كان محملاً بقلق داخلي مستمر.
لاحقاً، وفي صباح يوم آخر، تعرض منزل حسن لمداهمة من مجموعة مسلحة محلية. كان أفرادها معروفين في محيط البلدة، وبعضهم من أبناء المنطقة نفسها. دخلوا المنزل بأسلوب مباشر، وطالبوه بتسليم ما يملكه من أموال ومقتنيات ثمينة.
حاول حسن التحدث معهم أو تهدئة الموقف، إلا أن الوضع تصاعد بسرعة، وأصيب في قدمه بطلق ناري خلال المواجهة، ما أدى إلى سقوطه. في الوقت نفسه، وُضع تهديد مباشر لأسرته، ما دفعه في النهاية إلى إرشادهم إلى مكان المال داخل المنزل.
بعد ذلك، غادروا المكان، وتم إخراجه هو وعائلته من البيت دون وسيلة نقل، قبل أن يتدخل أقاربه لنقله إلى خارج القرية لتلقي العلاج. احتاج إلى تدخل طبي وجراحة لاحقة، استقرت بعدها حالته الجسدية تدريجياً بعد فترة علاج طويلة.
لكن التجربة تركت أثراً أعمق من الإصابة الجسدية. فقد تغيّرت لديه فكرة البيت كمكان آمن، وتحوّل الإحساس بالحياد الذي كان يراه سابقاً خياراً عملياً إلى سؤال مفتوح حول حدود الحماية التي يمكن أن يوفرها في لحظات الانهيار.
مع الوقت، لم يعد الأمر بالنسبة له مرتبطاً فقط بما حدث، بل بما كشفه الحدث من هشاشة في التصورات السابقة عن الأمان، وعن العلاقات القريبة، وعن قدرة الفرد على تجنّب التوترات الكبرى بمجرد البقاء خارجها.
وفي النهاية، بقيت التجربة حاضرة في الذاكرة بوصفها لحظة انكسار في فكرة الطمأنينة، أكثر من كونها حادثة فردية معزولة، حيث بدا واضحاً أن القرب الاجتماعي أو الجغرافي لا يكفي دائماً لتشكيل حماية فعلية في لحظات الاضطراب.
