قصة نجاة لم تكن في البرنامج التدريبي
منذ صغري، أحلم بين جوارحي حلماً يكاد لا يتسع له جسدي، فيخرج من مسامي وأنفاسي… أحلم بالحب، والعدالة، والانتماء الواعي والنبيل، كبرتُ وأنا أناصر المظلومين والمظلومات، وخاصة النساء والفتيات والأطفال، بكل طاقتي.
عاصرتُ الثورة منذ بداياتها… وطُلبتُ للعديد من الأفرع الأمنية… وخرجتُ في ساحات الكرامة وهتفت… هتفت كما لم أهتف من قبل، رغم تحذير الأطباء لي بعدم رفع الصوت، بعد استئصال الغدة المسرطنة قبل أسبوع من استيقاظ ساحات السويداء… وكنت عازمة على استئصال سرطان سوريا مهما كلف الثمن.
سقط الأسد… وكانت فرحة السقوط أحلى لحظات حياتي وتعانق السوريون والسوريات، وفرحنا معاً، كانت أجمل لحظات حياتي، لكن هذه الفرحة لم تدم طويلاً.
بعد أربعة شهور من سقوط الأسد انفجرت أحداث عنف دموي في الساحل شكلت صفعة لنا … خفنا… غضبنا… حنقنا… ثم جرى تبرير ذلك بالفلول، وبغضب شعب متراكم، وأن الجهات الأمنية من الدماء براء. كنا كمن يجلس على الجمر… يخاف التكذيب، ويخاف التصديق.
نحمل في أيدينا خيط نور، نريد أن نحيكه مع باقي الخيوط، لعلنا نجمع الشمس فوق وطننا.
— ريما
حلّ تموز 2025
كنتُ خارج المحافظة في تدريب للسلم الأهلي والتماسك المجتمعي، تحضره سيدات من كل المحافظات. ذهبنا من السويداء نحمل هويتنا في قلوبنا، وفي ملامح وجوهنا، وفي تعاملنا الودود كما ربّتنا أمهاتنا… نحمل في أيدينا خيط نور، نريد أن نحيكه مع باقي الخيوط، لعلنا نجمع الشمس فوق وطننا. انتهى اليوم الأول بضحكات ومحبة وفرح.
وجاء اليوم التالي، 13 تموز 2025، حين تعرّضت بلدتي لهجوم واسع، وكنت قد سمعت عن أحداث طالت أهلي، بيوتهم، وأرضهم، وأنا وحدي، بعيدة، أحاول أن أبني “تماسكاً مجتمعياً، بينما بنتي الصغيرة، وزوجي الحبيب، وأهلي، وأهل زوجي الذين هم بمقام أهلي، وأقاربي، كل أقاربي هناك! تحت القصف، والصرخات.
بات جلدي يتشقّق، وروحي تنسلّ من تحت أظفاري. لم أودّعهم كما يجب… كيف لم أشمّ رائحتهم كما يجب؟
كانوا يبعثون لي بمقاطع لطفلتي، تلعب في غرف مظلمة، خشية أن تمسّ البراءة أيّ أذى. لم أكن أستطيع مشاهدتها… أحاول ولا أستطيع.
تدور الدنيا بي حين أسمع صوتها، ويلتف جسدي، وتأكل خلاياه الغثيان والخوف. اشتريتُ لها الألعاب التي أوصتني بها قبل سفري، لأحتضنها بدلاً عنها. هل يُعقل أنني لن أحتضنها مجدداً؟ هل يُعقل أن أعود إلى السويداء ولا أجد من يستقبلني؟
كانت شهقاتي تحاول نزع روحي لتصل إليهم. أدعو لهم تارة، وأستغيث وأصرخ تارات أخرى، أدفن رأسي في الوسادة، ويدي على الهاتف، أتنقل بين الأخبار. أخاف من صور الجثث ووجوههم… أبحث عن أحبّتي بينهم، ثم أهرب سريعاً إلى خبر آخر. كانت حشرجة روحي تصرخ …لكن اسمعها وحدي، تصمّ أذنيّ من شدتها.
ومن حولي يأكلون ويشربون ويضحكون ويتكلمون، وأنا أغوص في عتمتي وحدي. كانت الموائد تُفرش أمامنا، بينما أهلي وابنتي لا يملكون إلا ما يسدّ الرمق. كان منظر الطعام يستفزني، يوجعني، يحرقني، فكنت أرفض المشاركة بصمت، دون أن يلاحظ أحد أن هناك من تتألم لأنها تأكل بينما طفلتها لا تستطيع.
لكن قلبي لم يكن بصلابة عقلي. هذا الثبات الظاهر انكسر من الداخل. عدتُ إلى بيتي وأنا أعرف أن ما يُقال في التدريبات لا يشبه ما يحدث في لحظة الانكسار. هناك فقط، عند حدود الخوف والفقد، يتعرّى الإنسان من كل شيء، ويكتشف أن المسافة بين الكلام والحياة يمكن أن تكون حياة كاملة، وأن ما يبقى في النهاية ليس الفكرة، بل القدرة على البقاء رغم كل ما لا يُحتمل.




