هذه الشهادة ليست عن حادثة واحدة فقط، بل عن الخوف الذي يتسلّل إلى الحياة اليومية حين يشعر الإنسان أن هويته نفسها أصبحت موضع سؤال.

من حديث عابر أمام منزل في الريف، إلى القلق من التحولات التي عاشها السوريون خلال السنوات الأخيرة، يكشف النص كيف يمكن للكلمات والأحداث الصغيرة أن تترك أثراً عميقاً، وكيف يتحول الخوف تدريجياً من شعور داخلي إلى واقع يهدد معنى الأمان والانتماء.

«لكن حتى البحر لم يعد قادراً على تهدئة ذلك القلق الذي بدأ يكبر داخلنا منذ نهاية عام 2024.»  
— حنين

هل سيعود الأمان؟
إنها أمّ.
تسألني والقلق ظاهر في عينيها: «هل سيعود الأمان يوماً؟»
أصبحتُ مدمنة على متابعة الأخبار، وصرتُ مصدرها للجيران أيضاً.
إنها أمّ تخاف على فلذات كبدها، وأنا كذلك.
واليوم سألتني: «هل ستعود بتول؟»
أجبتها بغصّة: «حتماً ستعود… بطريقة ما ستعود.»
ربما مثل مي سلوم،
ربما مثل ميرا،
أو مثل حلا وابنها…
وربما ستعود، لكن… لا أدري إلى أين.

منذ ذلك الوقت، صار الخوف يعيش معنا كجزء من الحياة اليومية.
ليس خوفاً عابراً، بل خوف طويل من المجهول…

أقطن مع زوجي في الريف منذ سنوات، بعيداً عن ضوضاء المدينة، قريبين نوعاً ما من البحر الذي كان دائماً ملجأي الوحيد.
لكن حتى البحر لم يعد قادراً على تهدئة ذلك القلق الذي بدأ يكبر داخلنا منذ نهاية عام 2024.
كنّا ما نزال تحت وقع الصدمة وعدم استيعاب ما جرى. رأيت رجلاً غريباً من النافذة يتحدث مع زوجي، فخرجت ووقفت بجانبه، ربما بدافع الخوف الفطري من المجهول.

سألني: «ما اسمك؟»
أجبته: «أم يحيى.»
ثم أضفت: «وأم جان أيضاً.»
نظر إليّ باستغراب، فقلت: «لأنني مسيحية.»
سألني: «ولماذا لم تعتنقي الإسلام؟»
أجبته: «ولماذا أفعل؟ أليست عبادة الله واحدة؟»
نظر إليّ قبل أن ينسحب من الحديث قائلاً: «كلا… ليست واحدة.»

كنت أحدّق وقتها في شعره الطويل ولحيته التي تصل إلى خصره، وأفكر بصمت: منذ متى يمكن لفكرة واحدة أن تملأ رأس إنسان إلى هذا الحد؟

منذ تلك اللحظة، تضاعف داخلي ذلك الخوف الذي شعر به كثيرون من أبناء الأقليات. الخوف من الأخبار القادمة، من الأسماء التي تختفي، ومن الأسئلة التي لا يملك أحد إجابات واضحة عنها، من شكل البلاد التي تتكوّن، ومن اللغة الجديدة التي بدأت تفرض نفسها على الحياة اليومية.

ومع مرور الأيام، بدا أن ذلك الخوف لم يكن مبالغاً فيه.
بدأت تظهر ما سُمّي بـ«الحالات الفردية»: مرة يُقتل شاب، ومرة تُخطف فتاة، ومرة ينتشر خبر جديد يزرع الذعر في القلوب.

ثم جاء السابع من آذار.
يومها، بدا وكأن الطرقات نفسها تخضّبت بالدم. عائلات كاملة اختفت، مُحيت، أو تُركت تواجه الفقد وحدها.
لا يوجد ما هو أقسى من خسارة الأبناء. ولا ما يشبه تلك الغصّة التي تبقى عالقة في الحلق حين يتحول الحزن إلى شيء دائم، إلى دمعة لا تجف.

لكن أكثر ما كان يوجع، هو ما بدأ يرافق الحكايات عن النساء والفتيات.
بناتٌ كنّ بهجة البيوت، وأمهات المستقبل، تحوّلن فجأة في بعض الخطابات إلى «سبايا».
ما أقبح هذه الكلمة. وما أثقل المعنى الذي تحمله.

في تلك اللحظات، لم تكن تصرخ امرأة واحدة فقط، بل نساء كثيرات؛ علويات ودرزيات ومسيحيات وكرديات… كأن الأنثى السورية كلها كانت تقول بصوت واحد:

«أنا لستُ سبية… ولن أكون.»

كتابة: حنين