هذا النص شهادة إنسانية عن امرأة تعيش بين المسؤولية والخوف، وتحاول أن تحافظ على توازنها في ظل ظروف قاسية. ليس سرداً للمأساة بقدر ما هو محاولة لالتقاط شكل الحياة حين تصبح الاستمرارية نفسها نوعاً من المقاومة اليومية.

«فالعجز ليس أن لا تملك شيئاً، بل أن تملك ما تحب ولا تستطيع حمايته.»  
— هيام

عمري خمسون عاماً، لكن التعب في عينيّ يحكي عن عمرٍ مضاعفٍ. منذ وفاة زوجي، لم تعد الأيام تقاس بالسنين، بل بعدد المرات التي قاومت فيها الانكسار دون أن يراني أحد.
لم يعد مسموحاً لي أن أضعف. أحاول أن أكون كل شيء أمام بناتي: الأم، والأب، والسند الذي لا يسقط، والقلب الذي يجب أن يبقى ثابتاً مهما حدث.

كنت أجلس خلف ماكينة الخياطة لساعات طويلة. أخيط ملابس الآخرين، بينما أحاول أن أرمم حياتي التي تتفكك بصمت. لم تكن الخياطة مجرد عمل، بل كانت وسيلة للبقاء. كل قطعة قماش كانت تتحول بين يدي إلى ما يكفي ليوم جديد، وكل غرزة كانت محاولة للاستمرار.

كنت أقول لنفسي إن هذا يكفي لنعيش، وإن هناك شيئاً يشبه الأمان ما دام العمل مستمراً. ثم جاء الحصار، وتوقف كل شيء فجأة، وكأن الحياة فقدت إيقاعها دفعة واحدة. لم يبقَ سوى الخوف، وقد كبر بسرعة أكبر من قدرتي على احتوائه.

في تلك الليلة، كانت العتمة أعمق من انقطاع الكهرباء. كنت أفكر بكل ما سمعته عن بيوت لم تعد آمنة، وعن نساء انقلبت حياتهن في لحظة، وعن حكايات بدأت بهدوء وانتهت بما لا يمكن توقعه. كانت الجدران تبدو أضعف من أن تحمينا.

أنظر إلى بناتي وأحاول أن أبدو قوية. لكن الخوف لا يُخفى، أراه في عيونهن بوضوح مؤلم، وكأننا نتشارك الشعور ذاته دون حاجة إلى كلام. يقتربن مني وكأنني الملجأ الوحيد، فأضمهن إليّ، أحاول أن أحجب العالم عنهن، مع يقين صامت بأن ذراعي ليست كافية لحمايتهن من كل شيء.

فالعجز ليس أن لا تملك شيئاً، بل أن تملك ما تحب ولا تستطيع حمايته.

مررت بالكثير، وخسرت الكثير. ومع ذلك، لا يزال عليّ أن أستمر. التعب حاضر، والخوف حاضر، لكن التوقف ليس خياراً. هناك قلبان صغيران يعتمدان عليّ، حتى حين أشعر أنني أتهالك من الداخل.

السلام يبدو بعيداً، فكرة أكثر منه واقعاً. ومع ذلك أبقى مستيقظة، أراقب، وأتمسك بما تبقى لي من قوة، لأن الحياة لم تترك مساحة كافية لشيء آخر.

كتابة: هيام