باب الدار حمراء

هذا النص شهادة عن ما يبقى بعد المجازر، حين يتحول البحث عن المفقودين إلى محاولة للتعرّف على الناس من بقايا أثرهم الأخير. عن القرى التي بقيت معلّقة بين التهجير والموت، وعن الذاكرة حين تصبح قصاصة ورق، أو باباً بلونٍ معيّن، أو اسماً لم يعد أحد قادراً على استعادته بالكامل.

 

«تحوّلت الوجوه إلى ظلال، والعظام إلى علامات صامتة على أن أحداً كان هنا يوماً.» 
— وعد أبو سعيد 

 

 

«أول طريق المزرعة، مقابل معمل الزفت… باب الدار حمراء.»

جملة قصيرة كُتبت على ورقة مهترئة، كانت كل ما تبقّى من إنسان.
لا اسم، لا صورة، فقط أثرٌ أخير يتدلّى بين الحياة والموت.

كانت القصاصة دليلاً إلى جثة متحللة وملابس ممزقة، عُثر عليها في بلدة المزرعة؛ البلدة التي فرغت من سكّانها، وصارت بيوتها كالأصداف الفارغة، لا يُسمع فيها سوى صفير الريح وذاكرة الدم.

حتى اليوم، ما تزال فرق الهلال الأحمر في السويداء ممنوعة من دخول بعض القرى المنكوبة في الشمال والغرب. تُستدعى بدلاً منها فرق من مدن أخرى، وجوه غريبة تنتشل أبناء المكان بعد أسابيع طويلة من الاجتياح والتهجير.

بعد ستين يوماً من المجزرة، كان الموت ما يزال يعمل ببطء.

عمليات انتشال الجثث تسير خطوة خطوة، بينما تتحلل الأجساد تحت الشمس، وتنهشها الحيوانات. تتحول الوجوه إلى ظلال، والعظام إلى علامات صامتة على أن أحداً كان هنا يوماً.

أمس فقط، وصل جثمان مجهول الهوية من بلدة لاهثة، مع ستة آخرين عُثر عليهم داخل بيوتهم، كأنهم ظلّوا ينتظرون من يطرق الباب الأخير.
وفي أحد المنازل، وُجدت أسرة كاملة؛ رجل وامرأة وطفلان، أُحرقوا أحياء داخل بيتهم.
لم يُعرفوا إلا بعد خمسين يوماً، حين قاد أحد المتطوعين إلى المكان شيء يشبه الرائحة الأخيرة للحياة.

احترقت الجدران، والأثاث، والصور، وحتى الأسماء.
وحده الصمت بقي كثيفاً، يملأ المكان.
الصورتان اللتان انتشرتا صباح السبت، 13 أيلول، كانتا من المزرعة نفسها: جثمان مجهول آخر، وبيت بلا باب.
قبلها بيوم واحد فقط، كانت السلطة الانتقالية تعلن عن “إعادة تأهيل فرن الخبز” في البلدة، وتدعو الأهالي إلى العودة قائلة:

«بيوتكم تنتظركم.»

لكن أي بيت ينتظر، فيما البيوت نفسها ما تزال تنتشل موتاها؟
كيف يعود الإنسان إلى مكان لم ينتهِ بعد من دفن أهله؟

في صباح اليوم ذاته، عُثر على جثة متحللة أخرى على أطراف بلدة القريّا، نُقلت إلى مشفى السويداء الوطني، دون أن يتمكن أحد من التعرف عليها. كانت الملامح قد ذابت تقريباً، كأن الزمن قرر أن يمحو حتى الشاهد الأخير.

يقول أحد العاملين في القطاع الصحي في السويداء: «أكثر من ثلاثين جثماناً وصلت صورها من دمشق إلى الطب الشرعي في السويداء.»
بعض العائلات تعرّفت على أبنائها من ملامح باهتة في صورة، وبعضهم سيبقون مجهولين، مثل صاحب القصاصة الأولى، الذي لم يبقَ منه سوى جملة واحدة:

«باب الدار حمراء.»

كتابة: وعد أبو سعيد