حين تصبح المدينة غريبة

فـي مدينة تعيش تحت ضغط الحصار، لا تتغير الطرق فقط… بل تتغير العلاقات أيضاً.
أحياناً، يصبح الفقد الشخصي جزءاً من فقدٍ أكبر، يجعل كل شيء يبدو غريباً… حتى أنفسنا.

شوارع المدينة بدت غريبة، كأنها أزاحت وجوهها المعتادة وارتدت ملامح لا تخصني.  
— آرسين

لم يكن الطريق طويلاً… بل أنا من صار أصغر
لم يودعني أحد.
خرجت من عندهم كما يخرج ظلٌّ من غرفةٍ لا أحد التفت، لا أحد قال: “سِر على مهلك”، لا حتى نظرة نصف اهتمام. فقط خرجت، وأنا أرتدي قميصاً صيفياً خفيفاً في ليلٍ برده لا يقتل، لكنه يعرف كيف يلسعك لتتذكر وحدتك.

شعرتُ كأنني أمشي داخل جيب أحدهم، مظلم، منكمش، بلا معنى. أخرجتُ هاتفي، كتبت لها: “غادرت”. ثم أغلقت الهاتف، كما يُغلق بابٌ على قلبٍ لم يعد يصلح لشيء. أشعلت سيجارة… لم أشعر بطعمها. كنت أمشي، لكنني لم أكن أعرف أين. كان الطريق يتحرك، وأنا أتشبّث بأفكاري كما يتشبّث الغريق بخشبة مكسورة.

شوارع المدينة بدت غريبة، كأنها أزاحت وجوهها المعتادة وارتدت ملامح لا تخصني. الأرصفة خالية، والضوء البرتقالي للشارع يشبه نبضاً ميتاً على وشك أن يُطفأ، كأن المدينة تسألني: “ماذا تفعل هنا؟”

رأيت قطاً رمادياً يعبر الشارع وحده… رمقني بنظرةٍ طويلة ثم اختفى خلف حاوية قمامة. شعرت أنني أراقب نفسي في تلك اللحظة، أنني أنا ذلك القط، أمشي بلا خريطة، بلا بيت، بلا فكرة. كل شيء كان يذكرني بها… الدرج، النافذة التي تشبه ضحكتها، الحائط الذي كانت تسند ظهرها عليه ذات مساء. كل شيء. وكل شيء كان يقول: “أنت وحدك… وأنت من اختار أن يبقى كذلك.”

كنت أمشي على العتمة، حرفياً. لا مصابيح… لا إشارات… لا ألوان. فقط سواد، ووجهها يتكرر داخلي كأنني أتمتم باسمها دون صوت. مشيتُ كثيراً… مشيتُ لدرجة أنني لم أعد أعرف إن كنت ضائعاً حقاً، أم فقط ضائعٌ في داخلي.

ثم، ظهرت شقتي… كأنها آخر جملة في كتابٍ لا يريد أحدٌ أن يقرأه للنهاية. لم أفرح بوصولي، لم أرتح. دخلتُ كمن يدخل إلى زنزانته الأخيرة قُبيل إعدامه، جلست على الأريكة المهترئة، ووضعت رأسي على الجدار، وبكيت. لكن لم يكن بكاءً. كان شيئاً يشبه البكاء، لكنه لا يحتاج دموعاً. كان انسكاباً صامتاً لشيءٍ داخلي انكسر منذ زمن ولم يخبر أحداً.

فكرتُ بها. بما كانت ستقوله لو رأتني هكذا:

  •       هل كانت ستضحك؟
  •       هل كانت ستكتب لي شيئاً طويلاً؟
  •       هل كانت ستقول: “ما حدا رح يحبك قدّي”؟

لا أدري… ربما لم تكن ستقول شيئاً. في رأسي، اشتعلت صور: طفل يركض خلف والده الذي لا يلتفت… فتاة تجلس أمام مرآةٍ مكسورة، تسرّح ظل شعرها… رجلٌ يمسك خريطةً بلا أماكن… أنا، في منتصف الطريق، أبحث عن شيءٍ يشبهني، فلا أجد شيئاً سوى صدى قدميّ، يتكرر في الفراغ.

هل أنا ضعت؟ أم أنني كنت ضائعاً منذ البداية؟ هل كنت أبحث عنها؟ أم أبحث عني؟ كل ما أعلمه أني عدت إلى البيت، لكنني لم أعد أنا… ربما لم أكن أنا أبداً. وكل ما تبقّى… سيجارة منطفئة وهاتف مغلق وسؤال لا أملك شجاعة طرحه: “هل كان أحدهم سيسأل عني… لو لم أصل؟”

نعم… هي… ومن سِواها؟!

كتابة: آرسين