ما بعد النجاة.. ليس نجاة

في الفترة التي تلت سقوط النظام، بدأت ملامح جديدة من عدم الاستقرار تظهر على طريق دمشق–السويداء، مع تكرار حوادث السلب والخطف، وما رافقها من شعور متزايد بالقلق لدى السكان.

في قريتنا، التي كانت بعيدة نسبياً عن هذه التوترات، بدأ هذا القلق يتسلل تدريجياً إلى تفاصيل الحياة اليومية، ليؤثر على الإحساس بالأمان، ويدفعنا في كثير من الأحيان إلى نزوح مؤقت نحو المدينة، قبل أن نعود مع أول بوادر هدوء.

في تلك اللحظة، انكمش العالم إلى فكرة واحدة: أن نبقى أحياء.
— كرستين الشوفي

هدوء كاذب
يقع بيتي عند آخر نقطة في محافظة السويداء، على مفرق قرية “تعارة” في الريف الغربي، عند الحدود الإدارية مع بصر الحرير في محافظة درعا، وهو أبعد منزل عن بقية بيوت القرية. لطالما ساد منطقتنا نوع من التعايش مع العشائر البدوية المجاورة، ما منحها قدراً من الهدوء، رغم توترات متكررة، خاصة في الفترة الأخيرة، حيث نُظّمت مناوبات حراسة على حاجز القرية تحسباً لأي طارئ. ومع كل تصعيد، كنا نغادر مؤقتاً، ثم نعود.
لكن ما حدث في فجر 14 تموز 2025 كان مختلفاً تماماً…

بعد منتصف الليل، عند نحو الساعة الثالثة والنصف فجراً، عاد شبان قريتي من الأراضي المحاذية لدرعا بعد توترات في القرى المجاورة، بينهم أخي الصحفي ساري الشوفي. كان الليل ساكناً على نحوٍ مريب، هدوءٌ ثقيل يسبق شيئاً لا يُرى.

مرّت قرابة ساعة على هذا السكون، قبل أن يبدأ الأهالي برصد رتلٍ مضيء يقترب من جهة بصر الحرير. الضوء المتحرّك في العتمة لم يكن عابراً؛ كان كافياً ليوقظ توتراً كامناً في الصدور.

اتصل بي أخي على عجل، طالباً منا الاستعداد لمغادرة المنزل. في صوته شيء لم يقله، ثم انقطع الاتصال. بعد دقائق عاد واتصل، هذه المرة بنبرة أكثر هدوءاً. قال إنه تواصل مع أحد المسؤولين في وزارة الدفاع، وإن الرتل قادم لفض النزاع بشكل سلمي. دخل هذا الكلام كاستراحة قصيرة داخل القلق، كأن الليل يستعيد توازنه للحظة، وكأن كل شيء سيمرّ.

لكن الهدوء لم يصمد طويلاً. فجأة، دوّى انفجار قوي عند الحاجز، شقّ السكون دفعة واحدة. لاحقاً عرفت أنه درون مذخّر بدأ بالرمي. ومعه، انفتح صوت الرصاص بلا توقف، وعاد التوتر أثقل من قبل، يقترب ويملأ المكان.

ثم، بعد لحظات بدت أطول مما هي، عاد الهاتف يرنّ. كان أخي مرة أخرى. هذه المرة لم يكن صوته كما قبل. كان متقطعاً، يخرج بصعوبة، مثقلاً بالألم:
“أنا اتصاوبت يا أختي… صاروا هون… الله يشفق عليكم ولا يضركم.”

انقطع الخط. بقي صوته معلقاً في المكان، لا يختفي. أما أنا، فبقيت واقفة بين أمي وأختي، أحاول أن أتماسك، وأخفي ما سمعته، كأن إخفاءه يمكن أن يؤجّل ما يحدث.


البحث عن مأوى
لم تمضِ دقائق على صوت دعاء أخي حتى انقلب كل شيء. تصاعد الرصاص فجأة، أكثر كثافة، أقرب، حتى بدأت الطلقات تخترق جدران المنزل ونوافذه. لم يعد هناك وقت للتفكير. ركضنا نحو الحمّام، كأنه الملاذ الأخير، نبحث في سقفه عن وهم حماية من القذائف التي كانت تسقط حولنا. كنّا محاصرات بالخوف، عاجزات عن الفهم، وغريزة النجاة وحدها تقودنا.

ثم، من قلب هذا الضجيج، دوّى طرقٌ عنيف على الباب الخلفي. صوت مذعور:
“اخرجوا… لعلّنا ننجو.”

فتحنا، وخرجنا كما نحن. حتى الحقيبة التي جهّزناها تركناها خلفنا. اختبأنا لثوانٍ خلف المنزل، والرصاص لا يهدأ. أدركنا أن الوقوف موت مؤجل، فبدأنا الركض. من مكانٍ إلى آخر، عبر أراضٍ وعرة، بلا وجهة، بلا خطة، فقط الهروب من خطرٍ يلاحقنا ولا يترك لنا حتى فرصة لالتقاط أنفاسنا.

وصلنا إلى بئرٍ زراعي. احتمينا خلفه، نلهث، وأجسادنا ترتجف من الخوف والإرهاق. الانفجارات تملأ المكان، والأرض تحت أقدامنا بدت كأنها تفقد ثباتها. حاولت الاتصال بأي أحد: أصدقاء، معارف، حتى الهلال الأحمر. لا إجابة. لا أحد قادر على الوصول. الشاب الذي معنا اندفع نحو منزله ليحضر سيارته. ذهب… ولم يعد. لم نملك رفاهية الانتظار.

عدنا إلى الركض، تحت شمس تموز القاسية، والدخان يرتفع من كل جهة. وصلنا إلى أرض مكشوفة تماماً. لا جدار، لا شجرة، لا ظل. اضطررنا للزحف. مسافة طويلة فوق التراب والحجارة، والرصاص يمر فوق رؤوسنا. في تلك اللحظة، انكمش العالم إلى فكرة واحدة: أن نبقى أحياء.

لاحقاً، صادفنا غرفة صغيرة لأحد العمّال من دير الزور. دخلناها لثوانٍ بدت أطول من الطريق كله. أعطانا الناطور ماءً، حاولنا أن نفهم ما يحدث، لكن الأصوات في الخارج كانت تسبق أي تفسير. لم يكن الوصول إلى قرية أخرى خياراً. الطريق نفسه خطر. خرجنا معه، مشياً، نحو أحد البيوت، حيث كانت زوجته وأطفاله. جلسنا متقاربين، نقتسم صمتاً ثقيلاً. كنا نقنع أنفسنا أننا في مكانٍ آمن، بينما شيء في الداخل كان يهمس بالعكس.

كانت الساعة تقترب من الثانية ظهراً حين هبط صمتٌ ثقيل، صمتٌ غير مريح، كأنه فراغ يسبق شيئاً أكبر. لم يدم طويلاً. قذيفة واحدة شقّت الجدار الذي احتمينا خلفه، اخترقته كأن البيت من ورق. للحظة تجمّد الزمن، ثم عاد الهواء إلى صدورنا بصعوبة. لم يُصب أحد، لكن الشعور بأن الجدران لم تعد تحمي كان أقسى من أي إصابة.


عودة الرعب 
لم تمضِ دقائق حتى دوّى طرقٌ عنيف على الباب. طرقٌ لا يُشبه الاستئذان، بل يشبه الاقتحام قبل أن يحدث. تجمّدنا في أماكننا. تقدّم الرجل الوحيد معنا، الناطور أبو محمد، بخطوات بطيئة، بينما كنّا نحن نكاد نختفي في الأرض. فتح الباب.

اندفعوا دفعة واحدة. أكثر من عشرين رجلاً، بلباسٍ أسود، وعلى أذرعهم شارة الأمن العام. امتلأ المكان بهم خلال ثوانٍ، كأن الهواء نفسه تغيّر. انتشروا في الغرف، في الزوايا، في كل مساحة يمكن أن تصلها العين. أصواتهم حادّة، سريعة، أسئلة تتساقط بلا انتظار إجابة.

كنّا أنا وأمي وأختي على الأرض، ملتفّات ببطانية، نحاول أن نصغر، أن نغيب، أن نصبح شيئاً لا يُرى. طلبوا الهويات. سألوا: من أنتم؟ لماذا هنا؟ أين بقية العائلة؟ الكلمات تكسّرت في أفواهنا. لم نعرف كيف نرد. النظرات وحدها كانت كافية لتبعثر ما تبقّى من تماسك.

في تلك اللحظة، تولّى الناطور وزوجته الكلام عنا. حاولا تهدئتهم… وتهدئتنا. قُدّم لهم شيء من الضيافة، كأن هذا الطقس البسيط يمكن أن يخفّف حدّة اللحظة. ثم قال أحدهم بصوتٍ بارد:
“لا تخافوا… نحن هنا لحمايتكم.”
مرّت الجملة من فوقنا كهواء ثقيل. لم تمسّ شيئاً في الداخل.
ثم أشار أحدهم نحوي:
“أنتِ… تعالي معي.”

نهضت. لا أذكر كيف حملتني قدماي. سرت خلفه إلى غرفة جانبية. الطريق القصير بدا أطول من كل ما قطعناه في الهروب. في تلك الخطوات، مرّت في رأسي كل الاحتمالات السوداء دفعة واحدة؛ نهاية سريعة، أو نهاية أبطأ. جلس على كرسي، وأشار لي أن أقف أمامه. سألني عن أسماء القرى المحيطة. حاولت أن أجيب. لم أجد الكلمات. الأسماء تلاشت، الاتجاهات اختلطت. أخبرته أنني أحتاج أن أرى الطريق لأتمكّن من الشرح.

أمسك بيدي بقوة، وسحبني إلى الخارج. أشار نحو الطريق، طالباً أن أحدّد. تمتمت بأسماء القرى، صوتي بالكاد يُسمع، وقلبي يضرب في صدري كأنه يحاول الهروب قبلي.

في الداخل، كانوا يواصلون تفتيش المنزل. فتحوا كل شيء، قلّبوا كل شيء، وجمعوا ما يمكن حمله. لم يكن تفتيشاً فقط؛ كان اقتلاعاً لما تبقّى من مكان. بنادق الصيد أُخذت، الطيور من أقفاصها، حتى الكلاب في الخارج لم تسلم. وقفنا نراقب بصمتٍ مطبق، نحاول ألّا نلفت النظر، كأن أي حركة زائدة قد تغيّر مصيرنا.

مرّ الوقت ثقيلاً، مبهماً. ثم، فجأة كما دخلوا، خرجوا. تركوا خلفهم فوضىً معلّقة في الهواء. قبل أن يغادروا، طلبوا من الناطور أن يترك ضوءاً في الخارج، كي يبدو أن المنزل مأهول.


هجوم الخوف 
حلّ المساء ببطء، كأنه يتفحّص ما تبقّى. حاولنا أن نلتقط أنفاسنا، أن نقنع أنفسنا أن الأسوأ مرّ. لكن الطرق على الباب عاد من جديد. هذه المرّة، لم يكن مفاجئاً… كان كأنه عودة النهاية نفسها، بشكلٍ آخر.

لكن القادم لم يكن امتداداً لما سبق. كان أثقل، وأقرب إلى شيء يشبه الانهيار الكامل.

هذه المرة لم يدخلوا بلباس رسمي، ولا بملامح مألوفة. وقع خطواتهم كان مختلفاً منذ البداية، كأنهم لا يمرّون على مكان بل يقتحمونه. لم نرهم مباشرة، كنا داخل غرفة مغلقة، لكن الأصوات كانت كافية لملء الجدران بالرعب. ضجيج، أوامر، ونبرة لا تحمل أي مساحة للتراجع.

حاول الناطور التقدّم إليهم. كان صوته أقل من رجائه، يحاول تهدئة ما يمكن تهدئته، ويقنعهم بعدم الدخول إلينا. قال إننا من أقارب زوجته، وإننا خرجنا فجراً على عجل، بلا أغطية رأس. كنا نسمع كل شيء من خلف الباب. كل جملة كانت تسحب الهواء من الغرفة، وتتركنا أكثر انكشافاً.

في الداخل، لم يكن السؤال يحتاج إلى صوت. ماذا لو دخلوا واكتشفوا الحقيقة؟ ماذا لو تغيّر كل شيء في لحظة واحدة؟ بقيت الأسئلة تتحرك داخل الرأس بلا إجابة، فيما الصمت الخارجي يضغط أكثر من أي صوت.

لم نكن نملك سوى أن نبقى ساكنات. أن نحبس الدموع كي لا تتحول إلى دليل علينا.

تلك الليلة لم تكن نوماً. كانت انقطاعاً متقطعاً عن الوعي، بين استيقاظ وخوف، بين صمت وارتجاف. ومع أول ضوء، لم يأتِ الصباح كما نعرفه. جاء صوت سيارة تتجوّل في القرية، تحمل مكبرات صوت. تلاوات قرآنية، وصوت رجل يعلو فوقها:
“هذا مصيركم يا كفار… هذا مصيركم يا خنازير.”

لم يكن الصوت مجرد تهديد. كان إعلاناً بأن الليل لم ينتهِ بعد، وأن ما بدأ داخل البيوت خرج إلى الشارع، بلا حدود ولا نهاية واضحة.

حاولنا الوصول إلى أي شخص يمكن أن يساعدنا. كل محاولة كانت تنتهي بصمت أطول من السابقة، كأن العالم نفسه يتراجع خطوة إلى الوراء. بعد وقتٍ لم نعد نقيسه، وصلنا إلى صديق أخي، ومنه إلى شخص قال إنه قادر على إخراجنا من القرية نحو السويداء. عندها تغيّر كل شيء. لم يعد السؤال: هل نخرج؟ بل: كيف ننتظر دون أن ننهار.


مسار غير مطمئن
مرّت الساعات ببطءٍ خانق. لم يكن البقاء آمناً، ولم يكن الخروج أقل خطراً. كنا في المسافة الرمادية بين الاثنين، حيث لا قرار يحمي، ولا خيار يطمئن، فقط ترقّب مفتوح على المجهول.

مع حلول المساء، وبعد محاولات متكررة لوصف المكان لمن سيأتي، ظهرت سيارة. لم نرَ من بداخلها بوضوح. الضوء كان خافتاً، والوجوه غير قابلة للقراءة. الصمت الذي رافق لحظة الصعود كان أثقل من أي سؤال، كأن ما يحدث لا يحمل تعريفاً واضحاً: إنقاذ متأخر أم بداية لفخ جديد.

جلسنا داخل السيارة. نظرات سريعة ومترددة بيننا وبين السائق الذي كان يرتدي زياً عسكرياً. لم يسأل أحد، ولم يشرح أحد. الطريق تولّى كل شيء، وبدأ يسحبنا إلى وجهة غير مفهومة.

عند حاجز القرية تبدّل المشهد مرة أخرى. الجهة اليمنى مدمّرة بالكامل، بلا أثر لمن كان يقف عليها. وعلى اليسار، بيتنا… أو ما كان يفترض أن يكون بيتنا، لكن ملامحه لم تعد واضحة. لم نعرف إن كان ما زال كما تركناه، أم صار شيئاً آخر.

توقفنا، ثم جاء الطلب: الانتقال إلى سيارة أخرى. صعدنا.

السيارة الجديدة كانت تعود لأحد القادة في الأمن العام، محمد. في تلك اللحظة لم يكن فينا ما يشبه الثقة. القرار بدا أقرب إلى استسلام لما يحدث، لا أكثر.

انطلقت السيارة، والطرق التي عبرناها لم تعد طرقاً، بل مساحات مفتوحة للخراب. كل مشهد كان يقول إن ما جرى أكبر من اشتباك، وأن ما نراه انهيار كامل لمشهد كنا نعرفه يوماً.

لم نتكلم في البداية. كنا نراقب النوافذ فقط، كأن الصمت قادر على تفسير ما يحدث. الطريق كان يبتعد عن السويداء تدريجياً، لكن ليس ببطء مطمئن، بل بانحراف واضح يزداد ثباتاً كلما تقدّمنا.

ثم جاء الإدراك دفعة واحدة.
هذا ليس الاتجاه.
السويداء خلفنا… ودرعا أمامنا.

في تلك اللحظة انقلب كل شيء. الهواء داخل السيارة صار أثقل، والمساحة ضاقت كأنها تُغلق علينا. التوتر الذي كان صامتاً انفجر دفعة واحدة، وتحول إلى سؤال واحد يضغط على كل حركة: إلى أين نحن ذاهبون؟

ارتفع صوتنا لأول مرة، ثم ازداد. طلبنا التوقف، مرة بعد مرة، لكن الطريق استمر، كأن لا شيء يُسمع داخل السيارة.

“توقف… أوقف السيارة.”

الصوت خرج متقطعاً لكنه صار واضحاً، ثم تكرر كرجاء مشحون بالخوف، محاولة أخيرة لاستعادة اتجاه خرج من السيطرة.

لكن السيارة لم تتوقف.

في تلك الدقائق، لم يكن الخوف من الطريق فقط، بل من فكرة أن الطريق نفسه لم يعد قابلاً للاسترجاع.

وصلنا إلى منزل العائلة في بلدة “الكرك”. استُقبلنا هناك بصدر رحب، وكأن الباب الذي فُتح لنا في تلك اللحظة يحاول أن يعيد شيئاً من توازن العالم. قُدّم لنا الماء والطعام، وصوت البشر حولنا بدا أقل حدّة، أقل سرعة، أقل خوفاً. للمرة الأولى منذ ساعات طويلة، جلسنا بلا أصوات إطلاق نار قريبة، بلا حركة هروب، بلا حاجة للاختباء خلف أي شيء.

لكن الهدوء لم ينجح في الوصول إلينا بالكامل.

الجسد كان في مكان، والعقل في مكان آخر. كل شيء بدا ساكناً من الخارج، بينما الداخل يشتعل بصمت. كانت اللحظة أشبه باستراحة قصيرة داخل عاصفة لم تنتهِ بعد.

بقينا هناك يومين وثلاث ليالٍ. نحاول فهم ما حدث، ونحاول أكثر أن نفهم ما الذي يمكن أن يحدث لاحقاً. الأخبار كانت تصل متقطعة، متضاربة، لا شيء فيها يمنح يقيناً. كل رواية كانت تفتح احتمالاً جديداً للقلق، لا أكثر.

لكن القلق الحقيقي كان في مكان آخر.

أخي.
كان حضوره يغيب عن كل خبر، لكنه لا يغيب عن أي فكرة. حاولت الوصول إليه مراراً. طلبت من الرجل الذي أوصلنا أن يبحث عنه في مستشفيات درعا. كان الطلب أقرب إلى توسّل منه إلى سؤال. كنت أبحث عن أي جملة تكذب ما يدور في رأسي، أي خبر يعيد ترتيب الخوف إلى مستوى يمكن احتماله.

لم يكن هناك شيء واضح. لا تأكيد، ولا نفي. فقط فراغ يترك كل احتمال مفتوحاً.


صوت الغياب 
صباح اليوم الثالث، جاء محمد. قال إن علينا الاستعداد للعودة إلى السويداء. بدا أن المشهد في الخارج يتغيّر بسرعة. الأمن العام انسحب من السويداء، والعشائر كانت تتحضّر للدخول. نحن لم نكن نعرف شيئاً من ذلك، لكنه قال إن البقاء في درعا قد يجعلنا عالقين أكثر، بلا طريق عودة لاحقاً.

الهدوء الذي بدأنا نتعلّق به تراجع في لحظة. لم يعد مكاناً آمناً، بل محطة مؤقتة بين خوفين. ومع القرار الجديد، عاد السؤال نفسه بثقل أكبر: أين هو أخي الآن، وإلى أي جهة يمكن أن يصل الخوف هذه المرة؟

وصلنا إلى ما يُسمّى “مركز السياقة”، على بُعد نحو كيلومتر واحد من قرية تعارة من جهة درعا. توقّف هناك، ثم قال بهدوء بارد:
“لا يمكنني التقدّم أكثر من هذه النقطة.”

تلك الجملة أعادت شيئاً لم نغادره فعلاً. الخوف عاد دفعة واحدة، كأنه كان ينتظر إشارة فقط. نزلنا من السيارة، لكننا لم ننزل من التوتر. بدأ الركض مجدداً، بلا اتجاه واضح، فقط بحثاً عن أي طريق يعيدنا إلى أحد، إلى أي شخص.

وصلنا إلى خالي بعد جهد، كان هو الأمل الوحيد المتبقي في تلك اللحظة. حاولنا جاهدين الوصول إليه لأنه كان يملك سيارة، الخيار الوحيد الذي يمكن أن يفتح لنا طريق العودة إلى السويداء.

لكن العودة لم تكن عودة بالمعنى البسيط للكلمة. الطريق الذي يربط القرية بالمدينة لم يكن ممراً عادياً. منذ اللحظة الأولى، بدا كأنه فصل مستقل من الفاجعة. على جانبيه، مشاهد لا تُنسى: جثث ملقاة على الأرض، بيوت محترقة، محال منهوبة، وحيوانات نافقة في أماكنها. الدخان لم يكن مجرد أثر، بل طبقة تغطي كل شيء، ورائحة الدم كانت حاضرة بشكل يجعل الهواء نفسه ثقيلاً. كل متر كان يحمل صورة جديدة للانهيار. لم يكن الطريق يوصل إلى مكان… كان يمر داخل قلب الكارثة.

وحين وصلنا إلى السويداء، بدا المكان مألوفاً من الخارج، لكننا لم نشعر أننا عدنا بالكامل. كان هناك نوع من الأمان الظاهري، صمت أقل قسوة، ووجوه قريبة، لكن داخلياً بقي شيء عالق في الطريق، بين ما حدث وما لم يُفهم بعد. كنا في مكان يُفترض أنه آمن، ومع ذلك لم يتوقف البحث في داخلنا عن إجابة واحدة: أين هو أخي؟

لم أكن أعلم أن آخر مكالمة بيننا، وتمنياته لي بالسلامة أنا والعائلة، كانت وداعه الخفي. في تلك اللحظة كان الصوت عاديّاً، يحمل قلقاً وحناناً مألوفاً، ولم أكن أعرف أن خلفه نهاية تُكتب بهدوء.

بعد المجزرة بأيام، انتشر صوت لأخي على مجموعات الواتساب، يحذر الأهالي من الهجوم الذي بدء قائلاً:
“استشهدوا كل الشباب يلي معي… اخلوا النسوان…”

عندها فقط أدركت أن هذا كان آخر صوت أسمعه له. ليس مجرد خبر عابر، بل آخر ما تبقّى من حضوره في العالم.

لاحقاً، انتشرت صورته. مصاباً. منشورة على قنوات تلغرام، مرفقة بكلمات تحريضية ومهينة، كأن الألم يُعرض خارج سياقه، وكأن الإنسان يُختزل في لحظة سقوطه فقط.

ليتهم يعلمون من هو ساري. كيف كان يتكلم، وماذا كان يفعل، وكيف كان يقف في مواجهة ما هو أكبر من الصورة الأخيرة التي أرادوا تثبيتها عنه.

كتابة: كرستين الشوفي