حين يهدأ القلق قليلاً

هذه قصة حقيقية، تسرد تجربة قصيرة في الزمن، عميقة في أثرها، عن عائلة اضطرت للمرور بدمشق في ظروف قاسية. من خلال زيارة عابرة، تكشف القصة كيف ينعكس الخوف على سلوك الأطفال، وكيف يمكن لتجربة بسيطة—كنزهة قصيرة في المدينة—أن تفتح نافذة مؤقتة نحو الطمأنينة.

تركّز القصة على التفاصيل اليومية الصغيرة: الصمت، التردد، التعلّق، ومحاولات التأقلم، دون مبالغة أو تهويل، لتقدّم صورة إنسانية قريبة عن أثر العنف والقلق المستمر على الحياة العادية. كما تُظهر، في المقابل، قدرة اللحظات البسيطة على إعادة شيء من التوازن، ولو بشكل عابر.

هي ليست قصة حدثٍ كبير، بل قصة شعورٍ يتشكّل بهدوء، ويكشف كيف يمكن للخوف أن يصبح جزءاً من التفاصيل اليومية، وكيف يمكن للأمان—ولو للحظة—أن يعيد تعريف المكان.

وكان الأمل الوحيد، بالنسبة لها، أن ينسوا كيف يبدو الخوف حين يسكن في التفاصيل الصغيرة.  
— هند يوسف

 ربما كانت تلك الزيارة الأغرب بين زيارات كثيرة عرفها منزلي؛ منزلٌ اعتاد أن يضج بالوجوه والقصص. لكن شيئاً في تلك الزيارة كان مختلفاً منذ اللحظة الأولى. لعل السبب أننا، أنا وزوجي، ننتمي إلى طائفتين مختلفتين، وقد حاولنا طويلاً أن نعيش خارج القيود الثقيلة، مكتفين بما تفرضه علينا العائلة الصغيرة من واجبات لا مفر منها.

في ذلك اليوم، تلقى زوجي اتصالاً من قريبة له لم أسمع باسمها من قبل، ولم تجمعني بها أي معرفة سابقة. أخبرته بأنها في دمشق، وأنه لا ملجأ لها سواه، وأنها مضطرة للمجيء مع أطفالها الثلاثة والمبيت عندنا.

وصلت مساءً. استقبلناها بترحاب صادق، لكن القلق كان يسبقها إلى البيت، ظاهراً في ملامحها ومرتسماً في عيون أطفالها. كانوا قادمين من السويداء؛ من بيتٍ لم يعد موجوداً، من ذكرياتٍ احترقت، ومن حياةٍ انكسرت فجأة، فاضطروا للنزوح إلى أقارب في المدينة.

كانت قد خرجت في رحلة شاقة إلى لبنان لإجراء مقابلة لمّ شمل في السفارة الألمانية؛ رحلة ذهاب وعودة محفوفة بالتعب والأمل.
لكن كل شيء تعثّر هناك؛ إذ تعرضت لمعاملة قاسية، انتهت بإتلاف جواز سفرها بحجة عدم وضوح الصورة. لم يكن أمامها سوى العودة مسرعة إلى دمشق لاستخراج بدلٍ تالف، بدلاً من الرجوع إلى السويداء كما خططت.

رغم محاولاتنا لطمأنتها، بقي التوتر مسيطراً عليها وعلى أطفالها. كان سلوكهم لافتاً: صمتٌ كامل، أدبٌ مفرط، وانسحابٌ شبه تام إلى الغرفة التي خصّصناها لهم، وكأنهم احتموا بها من عالمٍ لا يثقون به.

في صباح اليوم التالي، خرجت مع زوجي لإنجاز معاملة الجواز، بعد إلحاحٍ شديد منها خوفاً من مواجهة المدينة وحدها. بقي الأطفال معي. حاولت أن أعدّ لهم فطوراً، وأن أستدرجهم إلى الحديث أو اللعب، لكنهم خرجوا للحظات، تناولوا لقيمات سريعة، ثم عادوا مسرعين إلى غرفتهم، يغلقون الباب خلفهم وكأن الخارج خطرٌ محدق.

حين خرجت إلى الشرفة لسقاية النباتات، حاولت مناداتهم ليساعدوني، علّهم يتسلّون قليلاً. لم يستجب سوى الأصغر، طفلٌ في الثامنة؛ فتح الباب بخطوات مترددة، لكن صوت أخته أعاده فوراً، فعاد مسرعاً وأغلق الباب بإحكام. كان الخوف يسكنهم بطريقة لا تحتاج إلى تفسير.

في اليوم التالي، عادت الأم أكثر ارتياحاً. أنجزت معاملتها بسهولة نسبية، خلافاً لما كانت تتوقّع. ومع ذلك، لم يتغيّر شيء في سلوك الأطفال؛ يومهم كلّه مضى خلف الباب المغلق، رغم كل محاولاتي لجذبهم إلى الحياة خارج تلك الغرفة.

في المساء، اقترحت عليها الخروج قليلاً، علّ الأطفال يتنفّسون بعض الهواء. تردّدت كثيراً، ولم توافق إلا بعد إلحاح، وبعد سلسلة من الاتصالات بزوجها وأهلها، الذين لم يتوقفوا عن الاطمئنان عليها كل ساعة تقريباً.

خرجنا أخيراً. كان محلّ المثلجات قريباً، وكان الهدف نزهة قصيرة لا أكثر. لكنني اقترحت أن نكمل إلى الشام القديمة. خافت من الفكرة: من الطريق، من التاكسي، من احتمال الخطف. حتى المواصلات العامة بدت لها مخاطرة. ومع ذلك، وافقت على مضض.

عندما وصلنا إلى باب توما، نزل الأطفال والتصقوا بأمهم كأنهم جزءٌ منها. كانت عيونهم تتحرّك بقلق بين الوجوه، يتهامسون حولها بخوف:

“ماما… ممكن يعرفوا أننا من السويداء ويقتلونا؟”

كان سؤالهم كافياً ليختصر ما لا يُقال.

أحاطتهم بذراعيها، والرعب واضح في ملامحها. دخلنا الأزقة القديمة، وكانت تلك زيارتهم الأولى لدمشق. حاولت أن أفتح لهم نافذة مختلفة على المكان، فبدأت أحكي لهم، مختلقةً قصة عن مواقع تصوير مسلسل “باب الحارة”، المسلسل الأحب إلى قلوبهم. أشير هنا وهناك: هذا بيت أبو عصام، وهنا دكان أبو بدر، وهناك محل معتز. اشتريت لهم “عصاية معتز”، وبدأ شيءٌ ما يتغيّر.

شيئاً فشيئاً، خفّ التصاقهم بأمهم. تقدّموا نحوي، عيونهم تتّسع بالدهشة، وأسئلتهم تتلاحق: أين المخفر؟ أين بيت الداية؟ صار المكان أقرب إلى حكاية يعرفونها، لا مدينة يخافونها.

وعندما وصلنا إلى ساحة الجامع الأموي، كانت المفاجأة أكبر. الساحة مليئة بالناس، بالأطفال، بالبائعين، بالضحكات. مشهد بسيط بالنسبة لنا، لكنه بالنسبة لهم كان عالمًا آخر:

أطفال يلعبون في الليل؟
أضواء لا تنطفئ؟
شباب وفتيات يمشون ويضحكون دون خوف؟

وقفنا طويلاً. ثم اندمجوا. لعبوا، ركضوا، ضحكوا، اشتروا بالونات وعصيرًا، والتقطت لهم صوراً كانت الضحكة فيها صافية، كأنها لم تمرّ بكل ذلك الألم.

للحظة… فقط لحظة، بدا وكأن الخوف قد انزاح.

لكن حين قررنا العودة، عاد الصمت كما كان. تمنّوا لو يبقون أكثر، لو يمدّون تلك اللحظة قليلاً، كأنهم يعرفون أنها لن تتكرّر بسهولة.

في الليل، نام الأطفال سريعاً. وبقيت مع أمهم.

وهناك فقط، انفتح الباب الحقيقي.

تحدّثت طويلاً: عن المجازر، عن البيوت التي لم تعد، عن الأطفال الذين لم يعودوا يخرجون، عن المدارس التي غابت، عن الليالي التي تُغلق فيها المدينة على نفسها باكراً، عن الخوف الذي صار أسلوب حياة، لا حالة عابرة.

قالت إن أطفالها يعيشون في غرفة واحدة، لا يغادرونها. إن السهرات لم تعد سهرات، بل تعداداً للغائبين، واستعادةً لوجوه لم تعد موجودة.

وكان الأمل الوحيد، بالنسبة لها، أن تصل إلى ألمانيا، إلى زوجها؛ علّها تستطيع أن تنقذ ما تبقّى من طفولة أطفالها، وأن تعيد لهم شيئاً من الأمان الذي فُقد… وربما، يوماً ما، أن ينسوا كيف يبدو الخوف حين يسكن في التفاصيل الصغيرة.

كتابة: هند يوسف