تعلمتُ أن أرقص… حتى فوق ما كسرني
بعض التجارب لا تغيّر ما نعرفه عن العالم فقط، بل تغيّر الطريقة التي ننظر بها إلى أنفسنا داخله.
في هذه السردية، تتقاطع لحظة بسيطة مع قطة صغيرة تحت المطر مع رحلة تعافٍ طويلة، لتكشف معنى أعمق عن الحضور، والقبول، والثقة بما يتشكل في داخلنا حتى عندما لا نفهمه بالكامل.
” لا أستطيع اختيار ما يحدث لي، لكنني أستطيع أن أختار كيف أبقى معه.” — غدير مرداس
في أحد أيام الشتاء، كانت السماء تمطر بغزارة، والبرد قاسياً كعادته. كنتُ أراقب المطر من النافذة حين رأيتُ قطة صغيرة على الحافة، مبللة وترتجف.
لا أعرف لماذا شعرتُ أن عليّ أن أفعل شيئاً لها. خرجتُ إلى الشرفة، رتّبتُ مكاناً بسيطاً: قطعة قماش، زاوية جافة، محاولة صغيرة لصنع دفء. ناديتها بهدوء، اقتربت، توقفت لحظة، نظرت إليّ… ثم تجاوزتني.
اختارت مكاناً آخر، ضيقاً بجانب عدّاد الماء. جلست هناك وكأنها وجدت ما يناسبها، دون أن تحتاج ما أعددته لها.
وقفتُ حينها أمام فكرة لم أفهمها مباشرة:
ربما ما أراه مناسباً، ليس بالضرورة ما يحتاجه الآخر.
هذا المعنى عاد إليّ بقوة عندما مررتُ بتجربتي.
أنا غدير من السويداء. قبل سنوات، مررتُ بمرحلة كانت من الأصعب في حياتي: شلل سفلي تام، وعملية دقيقة في النخاع الشوكي، مع احتمالات محدودة للنجاح. في ذلك الوقت، كان أقصى ما أتمناه أن أستطيع المشي بمساعدة.
اليوم، أمشي بشكل طبيعي.
أعرف أن للطب فضل كبير، وللأشخاص الذين وقفوا معي في تلك المرحلة أثر لا يمكن إنكاره. لكن هناك جانباً آخر لا يُرى بسهولة.
في تلك الفترة، لم أكن أبحث عن تفسير لكل ما يحدث. لم أكن أفهم لماذا، ولا كيف. لكنني بدأت ألاحظ شيئاً صغيراً في داخلي:
أنني لا أستطيع اختيار ما يحدث لي،
لكنني أستطيع أن أختار كيف أبقى معه.
لم أقاوم كل فكرة صعبة، ولم أحاول أن أكون قوية طوال الوقت. كنت أتنفّس، أراقب، وأسمح للأشياء أن تمرّ كما هي. لم يختفِ الألم، لكنه أصبح أخفّ… أو ربما أنا أصبحت أهدأ في مواجهته.
مع الوقت، تغيّر شيء ما في داخلي. ليس بشكل مفاجئ، بل بهدوء. وكأن شيئاً كان يتشكّل دون أن أراه بوضوح.
عندما أتذكر القطة الآن، أفهم المشهد بطريقة مختلفة.
لم تكن بحاجة إلى ما قدّمته لها،
كما أنني لم أكن بحاجة لأن يحمل أحد عني تجربتي.
في كلتا الحالتين، كان هناك طريق يجب أن يُعاش من الداخل.
تعلمتُ أن التعاطف لا يعني أن نحمل كل شيء،
وأن الحضور أحياناً يكفي.
أن نكون قريبين من أنفسنا ومن الآخرين،
دون أن نثقل بما لا نستطيع تغييره.
ربما لا نفهم كل ما نمرّ به،
وربما لا نرى المعنى فوراً،
لكن هذا لا يعني أنه غير موجود.
أنا لا أملك إجابات كاملة،
لكنني تعلّمت أن أترك مساحة لما لا أفهمه بعد.
وأن أمشي… خطوة خطوة.




