أمومة معلّقة
هذا النص محاولة لقول ما تعيشه كثير من النساء بصمت، حين تتحول الأمومة من علاقة طبيعية بين أم وأطفالها إلى معركة طويلة مع الخوف والقانون والظروف. فهم الأثر النفسي والإنساني الذي تتركه تجربة فقدان الأطفال أو الابتعاد عنهم قسراً، وكيف يمكن للقوانين غير المنصفة أن تجعل المرأة عالقة بين النجاة بنفسها وبين خسارة جزء من حياتها.
“كنت أشعر أنني مطالبة بإثبات شيء بديهي: أن الأم تريد فقط ألا تُفصل عن أطفالها.”
— نور
كنت أعتقد، مثل كثير من البنات، أن الحب كافٍ ليحمي الإنسان من كل شيء. أحببته رغم رفض أهلي، وتمسكت به لأنني كنت أرى فيه الشخص الذي اخترته بإرادتي، حتى لو كان مختلفاً عني في أشياء كثيرة. كنت صغيرة، وأتصرف بعاطفة أكثر من الخبرة، ولم أكن أعرف أن بعض العلاقات يمكن أن تتحول مع الوقت إلى مساحة عنق وخوف دائمة.
في بداية الزواج، كان كل شيء يبدو طبيعياً. كان يحبني ويهتم بي، أو هكذا كنت أظن. ثم، بعد الاستقرار وإنجاب الأطفال، بدأت أرى وجهاً آخر لم أكن أعرفه من قبل. اكتشفت شيئاً فشيئاً، أن العنف أصبح جزءاً من يومي. الضرب، الإهانات، المراقبة، ومنعي من الخروج أو التواصل بحرية مع أي أحد. كنت أعيش داخل البيت وكأنني محتجزة، ومع ذلك كنت أحاول الاحتمال من أجل أطفالي.
كنت أقول لنفسي دائماً إن الأمور قد تتحسن، وإن وجود الأطفال يحتاج مني صبراً أكبر. لكن العنف لا يتوقف عند حدّ إذا شعر صاحبه أن الطرف الآخر عاجز عن المغادرة.
وأنا حامل بطفلي الثالث، تفاجأت بأنه أدخل امرأة أخرى إلى البيت لتعيش معنا. وقتها شعرت أنني فقدت أي إحساس بالأمان أو الكرامة، لكنني أيضاً لم أكن أملك مكاناً أذهب إليه، ولا قدرة مادية تسمح لي باتخاذ قرار سريع.
انتظرت حتى أنجبت طفلي. كنت أحاول فقط أن أجد فرصة للنجاة. وبعد أربعة أشهر من ولادته، تعرضت لضرب قاسٍ جعلني أخرج من البيت حافية، بلا أي شيء. حتى تلك اللحظة، لم أكن أعرف إن كانوا أهلي سيستقبلونني بعد كل ما حدث بيننا، لكنني لم أعد أملك خياراً آخر.
استقبلني أهلي، لكن الخوف لم ينتهِ. بدأت مرحلة جديدة من التهديد والابتزاز ومحاولات السيطرة. مُنعت من التواصل مع أطفالي، ولم يكن يُسمح لي حتى بسماع أصواتهم أو الاطمئنان عليهم. ابني الأصغر، الذي تركته بعمر أربعة أشهر، كبر بعيداً عني إلى درجة أنه لا يعرفني اليوم، ولا يعرف أنني أمه. قيل له إنني خالته، بينما أصبحت امرأة أخرى تقوم بدوري في حياته.
في تلك الفترة، حاولت اللجوء إلى القانون. كنت أظن أن ما تعرضت له من عنف وتهديد سيكون كافياً ليمنحني حماية أو على الأقل حقاً واضحاً في رؤية أطفالي والبقاء قريبة منهم. لكنني اصطدمت بواقع مختلف. شعرت أن القانون لا يرى الأم كإنسانة لها خوفها وحقها النفسي والعاطفي، بقدر ما يتعامل معها ضمن شروط معقدة وإجراءات طويلة تجعلها دائماً الطرف الأضعف.
كنت أتنقل بين المحاكم والأسئلة والأوراق، بينما أطفالي يكبرون بعيداً عني. وفي كل مرة كنت أحاول فيها المطالبة بحقي، كنت أشعر أنني مطالبة بإثبات شيء بديهي: أن الأم تريد فقط ألا تُفصل عن أطفالها. حتى حق المشاهدة كان يبدو وكأنه امتياز مؤقت يمكن سحبه أو تعطيله بسهولة، بينما كنت أعيش أنا حالة انتظار دائمة، معلقة بين الخوف والرجاء.
لاحقاً وصلتني ورقة الطلاق، وكأن كل السنوات التي عشتها اختُصرت بورقة واحدة. خرجت من العلاقة بلا أطفال، وبلا أي قدرة حقيقية على استعادة حقي كأم. وبعد مرور الوقت سمعت أنه أخذ الأطفال وغادر بهم إلى لبنان. عندها شعرت أن المسافة بيني وبينهم لم تعد فقط مسافة بيت أو مدينة، بل مسافة حياة كاملة.
ومنذ ذلك الوقت، تحولت علاقتي بأبنائي إلى محاولات سرية ومتقطعة للاطمئنان عليهم. ومن فترة قصيرة تمكنت من الوصول إلى ابني الأكبر والتحدث معه سراً، ثم إلى أخيه الأصغر. هما ما زالا يتذكرانني، أما الطفل الصغير فلا يعرف عني شيئاً تقريباً. والأصعب من ذلك أنني اكتشفت أن العنف الذي عشته لم يتوقف عندي، بل امتد إليهم أيضاً.
اليوم، لا أفكر بشيء بقدر ما أفكر بالوقت. الوقت الذي ضاع بعيداً عنهم، والوقت الذي أحاول فيه أن أعيد بناء حياتي لأتمكن يوماً ما من جمعهم حولي من جديد. أريد أن أكون قادرة على منح أطفالي حياة أكثر أماناً إذا عادوا إليّ يوماً.
لا أبحث عن انتصار كامل، ولا عن صورة مثالية للحياة، بل عن فرصة عادلة فقط، فرصة تسمح لأم أن تبقى قريبة من أطفالها، وألا تتحول الأمومة إلى حق يمكن سلبه بهذه السهولة.
هذه التجربة ليست حالة فردية بقدر ما هي انعكاس لمعاناة كثير من النساء اللواتي يجدن أنفسهن عالقات بين العنف والخوف وقوانين لا تمنحهن الحماية الكافية. وفي كل مرة تخسر فيها أم حقها الطبيعي في أطفالها، لا تخسر وحدها، بل يخسر الأطفال أيضاً جزءاً من شعورهم بالأمان والانتماء.




