حين يتذكّر الجسد أكثر من الحكاية

بين الجبال والبيوت القديمة، لا تنتقل الحكايات بالكلمات فقط، بل بالأجساد أيضاً.
هناك أشياء يتعلّمها الإنسان دون أن يشرحها أحد له؛ كأن الجسد يحفظها وحده، ويعيد تكرارها كلما احتاج إلى النجاة.

“وما يبقى بعد كل شيء، ليس الحكاية فقط، بل الجسد الذي تذكّرها.” 
— آية

في المجتمعات الصغيرة، تبقى الطقوس حيّة حتى عندما تختفي تفسيراتها.
تُسكب المياه فوق الرصاص الساخن لفكّ الحسد، يُصعد حافي القدمين نحو الأماكن المقدسة، تُرسم الحناء على مواضع الألم، ويُقرأ الدعاء فوق الجسد كأن الكلمات نفسها تملك قدرة على الترميم.

لا أحد يسأل كثيراً لماذا تنجح هذه الطقوس، لكنها تستمر، لأن الناس ورثوا أثرها أكثر مما ورثوا تفسيرها.
فالأسطورة، أحياناً، لا تعيش في الكتب، بل في الجسد الذي يكررها.

وفي السويداء، لم تكن الحكايات القديمة مجرّد قصص تُروى عن الأجداد، بل جزءاً من الطريقة التي يرى الناس بها أنفسهم والعالم.
كان هناك إيمان قديم يتناقله الناس بصمت: أنهم يكسبون كل معركة يدخلونها لأنهم يدافعون ولا يهاجمون.
وأن المحن التي تمرّ عليهم ليست نهاية، بل اختبارات طويلة للصبر والاحتمال.
كبر كثيرون وهم يسمعون أن الجبل اعتاد المحن، وأن النجاة تحتاج إلى تماسك الجماعة أكثر من القوة نفسها.
ومع الوقت، تحوّلت هذه الحكايات إلى ذاكرة جمعية تمنح الناس شعوراً خفياً بالأمان، حتى في أكثر اللحظات اضطراباً.

لكن ما الذي يحدث حين تصبح المحنة أكبر من قدرة الحكاية على الحماية؟
في تموز، لم تدخل المجزرة إلى البيوت كحدث عابر، بل كشيء غيّر إيقاع الجسد نفسه.
صار الناس ينامون بخفة، يصغون لأي صوت في الليل، يراقبون الطرقات والنوافذ، ويتجمعون حول الأخبار كما لو أنهم يحاولون حماية بعضهم بمجرد البقاء معاً.

حتى الخوف، صار له طقس جماعي.
الأمهات اللواتي كنّ يطلبن من أطفالهن ألّا يبتعدوا كثيراً، بدأن يطلبن منهم الابتعاد عن النوافذ.
البيوت التي كانت تُفتح للضيوف بحب، أصبحت تُغلق بحذر.
والجسد الذي اعتاد الطمأنينة، بدأ يتعلّم النجاة.
ربما لهذا لا تنتهي المجازر بانتهاء العنف المباشر.
لأنها تترك شيئاً داخل الأجساد يستمر بعدها: في طريقة النوم، في التوتر من الأصوات، في الخوف المفاجئ، وفي الحاجة الدائمة لأن يبقى أحد قرب الباب.

وتماماً كما تنتقل الطقوس من جيل إلى آخر، تنتقل الصدمات أيضاً.
لكن الإنسان، حتى وسط الخراب، يحاول دائماً أن يصنع معنى لما يحدث له.
ولهذا تبقى الحكايات والأساطير والطقوس جزءاً من محاولة الجماعات حماية نفسها من الانهيار الكامل.

ربما لا تحفظ الطقوس الناس دائماً، لكنها تمنحهم شعوراً بأنهم ليسوا وحدهم.
وما يبقى بعد كل شيء، ليس الحكاية فقط، بل الجسد الذي تذكّرها.
ربما لهذا لا تموت الحكايات القديمة بسهولة.
لأن الجماعات لا تحفظ نفسها بالذاكرة وحدها، بل بما تزرعه هذه الذاكرة داخل أجساد أبنائها.
فالإنسان لا يرث الخوف بالكلمات فقط، بل يرثه في طريقة الإصغاء، وفي الحذر من الطرقات، وفي التوتر الذي يسكن الجسد حتى في لحظات الأمان.

وكما انتقلت الطقوس القديمة من يدٍ إلى أخرى، ومن جسد إلى آخر، انتقلت أيضاً طرق النجاة.
في السويداء، لم تكن المجزرة حدثاً مرّ وانتهى، بل شيئاً أعاد تشكيل العلاقة بين الإنسان وبيته وصوته ونومه وحتى صمته.

ومع ذلك، يبقى الناس متمسكين بحكاياتهم القديمة، لا لأنها تفسّر ما حدث، بل لأنها تمنحهم قدرة خفية على الاحتمال.
ربما لا تنقذ الأساطير أحداً من الألم، لكنها تمنع الجماعة من الشعور بأنها تواجهه وحدها.
ولهذا، حين تبهت الحكايات، يبقى الجسد آخر ما يتذكّر.

 

كتابة: آية