حيث يصبح الغياب… لغةً أخرى للحضور
ليس كل الفقد يأتي فجأة، بعضه يتسلّل بهدوء ويترك أثره في الداخل.
في هذا النص، تكتب ياسمين إلى والدها، الذي رحل تحت وطأة ما خلّفته أحداث تموز من حزن وضغط، بعدما عاشوا في قلب الحدث.
رسالة شخصية، تعبر بين الغياب والذاكرة، وتحاول أن تصنع من الكلمات جسراً لا ينقطع.
سأصنع من الكلمات جسوراً، تعبر بي نحوك، في كل زمان ومكان.
— ياسمين مسعود
إلى فقيدي… من قلب مشتاق أكتب إليك بعد خيباتٍ تراكمت، تكدّست في حقائبي المهترئة،
كما تكدّس معطفك الممزق، يا أبي.
إلا أنني أنا الممزقة من الداخل، بين وجع قلبي وصوتك الذي يرنّ في مسامعي كصدى لا ينقطع.
أعلم أن قلبك، الطافح بالحب، لا يرضى لي هذا البرد القارس في غيابك، وأعلم ذلك جيداً…
لكنها الأقدار، تسوقنا دون حيلة نحو الشقاء، نحو لحظاتٍ نرتمي فيها في صمتٍ متعب، نبحث عن أثرٍ لطيف يخفف وطأة الفقد والاغتراب.
دعني أكتب إليك الآن…
من الغرفة الجديدة، بجدرانها السماوية، وطاولتها المستديرة، ورفوفها التي تئنّ تحت الكتب والأوراق.
غرفةٌ كُتب على بابها:
لم يبقَ لي سوى ذكراك.
كأنها تشاركني وحدتي بصمتها.
أرسلت إليك هذا العنوان، علّ شعور وجودك يعود، وتمشي بين أركان المكان، لتعيد إليه الحياة والضحكات، ولتزرع فيه شيئاً من الحنين الذي لم أستطع حمله وحدي.
لكن الفراغ…
يضيق بي أحياناً حتى يخنقني.
بالأمس، باغتتني وحشة هائلة، وانكمش شيء في داخلي، كأن روحي فقدت جزءاً منها معك.
خرجت هاربة إلى شوارع هذه المدينة، حيث كل زاوية تحمل طيفاً، وكل ملامحها باردة، كأنها لم تعرف الدفء قط.
تذكّرت حكاياتنا…
وأحلامنا التي لم تكتمل، بقيت حيّة في الذاكرة، رغم الصمت القاسي.
أتدري يا أبي…
أظن أن الأماكن أكثر وفاءً منا.
بينما ننشغل ببداياتنا الجديدة، كانت أماكننا القديمة تتشرّب الغربة منذ وقتٍ مبكر.
وأعود…
إلى البيت الذي لا يتّسع لأمنياتي، ومعي الكثير من الكلام الذي لم يُكتب بعد.
رسائل كثيرة ما زالت معلّقة، تبحث عن طريقها إليك.
سأكتب…
سأصنع من الكلمات جسوراً، تعبر بي نحوك، في كل زمان ومكان.
لأخبرك فقط…
أن قلبي لم ينسك، وأنك… ما زلت أقرب مما يبدو.
إلى أبي…
لروحك السلام.



