كسرة خاطر
هذا النص محاولة لفهم أثر الصدمة حين تتجاوز الحدث نفسه، وتتحول إلى شعور طويل بالخذلان والانقطاع عن المعنى. عن الأغاني التي أصبحت ذاكرة جماعية، وعن الأمل الذي بدا يوماً قريباً، ثم تحوّل مع الوقت إلى سؤال مفتوح عن النجاة والخسارة وما تبقّى منا بعد كل هذا الخراب.
“نظرات العين تجول عليك وتتحسّر خايف ما تعود هالبسمة بقلبي تكبر”
— صوفيا زمرتا
كيف تتحول الأغاني العاطفية، وسط المآسي، إلى مراثٍ جماعية؟
كيف يصبح الحبيب مدينة كاملة، ويصبح الغياب موتاً، والشوق ليس لشخص، بل لآلاف النسمات والتفاصيل التي كنّا نظن أنها ستبقى معنا دائماً؟
كان جارنا يشغّل أغاني فيروز صباحاً، وعبد الحليم وأم كلثوم مساءً. لكن في تموز، بدا وكأنه لم يعد يملك وسيلة للرفض سوى تشغيل أغاني السويداء التراثية على مكبر الصوت طوال النهار.
كنت أغبط أهل السويداء منذ ست سنوات، حين ردّوا فينا الروح. أعادوا إحياء ما بدأت أظنه خيالات من الطفولة: الهتافات، والأغاني الثورية التي كنّا نرددها بالسرّ بعد كل سهرة، ونبكي كأنها آخر الأحلام. كنت أظن أننا مُتنا قبل أن تعيد ساحة الكرامة جذوة الأمل إلى نفوسنا.
كنت أعود من الجامعة سيراً، أحمل كيساً فيه دخان عربي أشقر، مشرب، ورق شام، ولفّافة. لم أكن أجيد اللفّ بعد، ولم أعد أستطيع شراء دخان أجنبي. أتخيّل الشوارع تمتلئ بالناس مرة أخرى، راضية وغاضبة، خائفة ومتمسكة بالحياة في الوقت نفسه. ثم أعود وأتسمّر أمام هاتفي أتابع الأخبار، تخنقني العبرة، وأقول لنفسي: ربما لم نُهزم بعد.
كنّا نرسل التحيات لبعضنا من الساحات، سراً وعلانية، وما زلنا نريد الشيء نفسه: أن نعيش بكرامة.
في تلك السنوات، كان الأصدقاء في السويداء يدعوننا – نحن الناشطين المعارضين في مدن أخرى – إلى القدوم إليهم خوفاً علينا، بعدما أصبحت أي محاولة للحراك في مناطقنا شبه مستحيلة تحت القبضة الأمنية الخانقة. كنّا نعرف أن هناك أرضاً في سوريا لا تزال تقول “لا” دون أن تُسحق تماماً. لم أذهب يوماً، لكنني كنت أشعر دائماً أن سقوط السويداء لن يكون حدثاً محلياً، بل خسارة تطال الجميع.
ثم جاء تموز 2025.
كنت أتابع الأخبار ككابوس عجز الأسد عن تحقيقه. مشدوّهة، أحاول ألّا أفقد عقلي. لم تكن الفظاعة وحدها هي الصادمة، بل شعور الخذلان أيضاً. كأننا استيقظنا فجأة لنكتشف أننا لم نعد نعرف مع من اتفقنا يوماً، ولا ماذا بقي من الشعارات التي هتفنا بها معاً في الشوارع.
كان التهليل للعنف، والتشفّي بكل هذا الخراب، مرعباً بحد ذاته.
ربما لهذا السبب أجّلت التعامل مع الصدمة. إلى اليوم، لا أعرف تماماً بماذا أشعر، وهذا الاعتراف يخيفني أكثر من أي شيء آخر. أنا التي اعتدت أن أتقصّى كل صورة وكل فيديو، وجدت نفسي هذه المرة أشيح بنظري. كأن العقل قرر وحده أن يتوقف لحماية ما تبقى منه.
قبلها بأشهر، كانت المجازر قد طالت الساحل، كجرس إنذار واضح. ثم جاءت السويداء، كأنها تأكيد لما لم نكن نريد تصديقه. تراكمت اللحظات المفصلية بسرعة جعلت أي محاولة للفهم أو المراجعة الذاتية تبدو بلا معنى. بدا كل شيء كعملية هدم طويلة، دون أي ملامح لشيء جديد يمكن التمسك به.
أتصل بصديق هناك. نتحدث كأننا في عالمين مختلفين. أبتلع الغصّة، أحاول تحسين صوتي، أسأله عن التفاصيل، ثم أبعد السماعة عن وجهي للحظات كي أتنفس. أعود لأسمع، أوثّق المعلومات ببرود، ثم أغلق الخط ويبتلعني صمت ثقيل.
لا يمكن أن يكون ما حدث حقيقياً.
أسأل الأصدقاء:
“حاكيتوا فلان/ة؟”
فيأتي الجواب غالباً:
“والله خجلانين نحاكيهم.”
كان الحرج طاغياً على الجميع. كأن الكلمات نفسها أصبحت عاجزة. لا أحد يعرف كيف يواسي أحداً، ولا كيف يشرح هذا القدر من الخيبة.
حتى الغضب بدا ممنوعاً. حُرمنا من التظاهر والصراخ وإعلان التضامن، خوفاً من أن تتحول أي منطقة إلى ساحة جديدة للعنف. لم يبقَ لنا سوى الرمزيات الصغيرة: الكتابة، الأغاني، والدموع… والكثير من الخزي.
كنت أتمنى أحياناً لو أنزل إلى جارنا الذي يقاوم بالموسيقى، أدق بابه وأقول له: شكراً. هل يمكن أن أجلس معكم قليلاً؟ هل يمكن أن نبكي معاً؟
لكن البكاء نفسه تأخر. لم يأتِ في تموز، بل بعد أسابيع، ثم بعد أشهر. وحتى الآن، لا أعتقد أنني استوعبت الصدمة بالكامل. ربما لأن بعض الصدمات لا تأتي دفعة واحدة، بل تتسرّب ببطء إلى الداخل، وتتحول مع الوقت إلى ما يشبه كسرة خاطر طويلة.
ولا أمقت شيئاً بقدر ما أمقت كسرة الخاطر. أن نشهد خذلاناً بهذا الحجم ونبقى عاجزين، وأن نشعر أحياناً أن من دافعنا عنهم بالأمس صاروا جزءاً من هذا الخراب نفسه.
ربما الثوري الحقيقي ليس قوياً كما يبدو. أظننا أخطأنا حين اعتقدنا أن القوة تعني القدرة على الاحتمال الدائم. القوي فعلاً قد يكون الشخص القادر على تجاهل كل ما يحدث والاستمرار بحياة تبدو في ظاهرها طبيعية.
أما الثوري، فهو غالباً الشخص الذي يستسلم لحقيقة أنه لا مفرّ من الانحياز لما يؤمن به، ولإرادة الناس، وللشارع حين يجرفه نحو الاحتمالات المفتوحة والقبضات المرفوعة عالياً. الشخص الذي يسمح لنفسه بأن يهتز وينكسر ويُستنزف، ثم يبقى رغم ذلك متمسكاً بفكرة واحدة: أننا لا نستطيع النجاة فرادى.
“وارجع بالهمس واسي قلبي
وادعيلك من ضيم اليأس شربتي وبعدا سقيتيني
كيف بداويك وجروحي هي جروحك
لو مرة بكيت دمعاتي بتسبق نوحك… بس احكيني.”




