بدايات متأخرة
هذه ليست حكاية استثنائية بقدر ما هي تجربة تتكرر بصيغ مختلفة عند كثيرين. عن طريق لا يبدأ من فرصة واضحة، وعن محاولات طويلة لإعادة تعريف الذات بعد التعثر، ثم الاستمرار رغم أن البداية لم تكن سهلة أو عادلة.
لكنني هذه المرة لم أتعامل مع الفشل باعتباره نهاية الطريق.»
— أريج نصر
وُلدت عام 2004 في عائلة سورية كبيرة، كنت أصغر الأبناء، الرابعة لأمي والخامسة لأبي. جئت في وقت كانت فيه العائلة مثقلة بالمسؤوليات والظروف المعيشية، حتى أن أمي، حين علمت بحملها بي، فكرت في إنهائه. وبعد نقاشات طويلة، قررت أن تُبقيني. وحين وُلدت، بقيت لأيام بلا اسم، قبل أن تقترح إحدى الجارات اسم “أريج”، فيستقر علي أخيراً.
كبرت وأنا أشعر أنني مختلفة عن إخوتي، ليس فقط من ناحية الشكل، بل في طريقة التعامل أيضاً. أختي الكبيرة عاشت طفولة مليئة بالدلال، ثم جاء أخي، الوحيد بين البنات، فأخذ مساحة كبيرة من الاهتمام. أما أنا، وبسبب تقارب العمر بيني وبينه، فكنت غالباً الطرف الذي يبقى في البيت حين يخرج الآخرون.
لم أدخل الروضة بسبب الظروف المادية، لذلك دخلت المدرسة دون أي تمهيد حقيقي. كان المكان جديداً ومربكاً بالنسبة لي، بينما بدا الجميع أكثر استعداداً مني. إخوتي كانوا متفوقين دراسياً، أما أنا فكنت أتعلم ببطء، وأواجه صعوبة في مواكبة ما يُطلب مني. رسبت في الصف الأول، ثم في الصف الرابع، ومع كل تجربة فشل كانت ثقتي بنفسي تتراجع أكثر.
لم يكن هناك اهتمام فعلي بتفاصيلي الصغيرة أو بمشكلاتي الدراسية. كنت أذهب إلى المدرسة وحدي وأعود وحدي، دون متابعة أو دعم حقيقي. ومع الوقت، تحولت المدرسة بالنسبة لي إلى مكان مرتبط بالعجز أكثر من أي شيء آخر.
في الصف السابع، قررت التوقف عن الدراسة. بعد نقاشات طويلة مع أهلي، بقيت في المنزل، ثم بدأت أتحمل تدريجياً مسؤوليات البيت بعد زواج أخوتي. في تلك الفترة، كنت أعرف بوضوح الأشياء التي أحبها: الفن، التجميل، الأعمال اليدوية، والطبخ، لكنني لم أكن أعرف كيف يمكن أن تتحول هذه الاهتمامات إلى مستقبل فعلي.
كان لأبي محل يعمل فيه بصناعة الألبان، ومع بقائي في المنزل بدأت أعمل معه.
ومع الوقت أصبحت جزءاً أساسياً من العمل اليومي، وتعلمت المهنة بسرعة. في البداية بدا الأمر طبيعياً، لكنه تحول لاحقاً إلى سؤال داخلي متكرر: هل هذه هي الحياة التي أريدها فعلاً؟
رغم انقطاعي عن الدراسة، بقي حلم الجامعة يرافقني بصمت. فكرة أن أمتلك حياة أوسع من حدود العمل اليومي والبيت لم تختفِ، بل كانت تكبر تدريجياً، إلى أن قررت العودة إلى الدراسة من جديد.
جمعت ثمن الكتب وسجلت في معهد، لكن العودة لم تكن سهلة. كنت أعمل منذ الصباح الباكر مع أبي، أستلم كميات الحليب وأنجز العمل، ثم أغيّر ملابسي بسرعة وأذهب إلى المعهد. في تلك الفترة، سمعت كثيراً من التعليقات المشككة بقدرتي على النجاح، خاصة بسبب تاريخي الدراسي السابق، لكن هذه المرة كان لدي دافع مختلف: أن أثبت لنفسي أولاً أنني قادرة على الاستمرار.
خلال فترة الامتحانات، خف ضغط العمل قليلاً، واستطعت التفرغ للدراسة. نجحت من أول محاولة، وكانت تلك التجربة نقطة تحول حقيقية في نظرتي لنفسي. للمرة الأولى، شعرت أن التعثر السابق لا يعني بالضرورة أنني غير قادرة.
لاحقاً، ومع تراجع ضغط العمل عند أبي، بدأت العمل خارج المنزل. كانت مرحلة مليئة بالتجارب الجديدة، ترافقت أيضاً مع ظروف صحية ونفسية صعبة أخّرت دراستي لفترة، لكنني لم أتوقف. سجلت في معهد لغة إنجليزية، وبدأت أوفر المال وأفكر بخطواتي التالية بشكل أكثر جدية.
بعد عام، عدت إلى الدراسة مجدداً وسجلت في معهد البكالوريا الأدبي، بالتزامن مع العمل. كانت سنة مرهقة، لكنها انتهت بالنجاح من أول محاولة أيضاً.
ثم جاءت المرحلة الجامعية بكل ما حملته من تحديات جديدة. قُبلت في اختصاص خارج محافظتي، واضطررت للتنقل بين جرمانا والسويداء بشكل شبه يومي. كان الطريق متعباً، والاستقرار صعباً، وفي سنتي الجامعية الأولى لم أتمكن من الترفع.
لكنني هذه المرة لم أتعامل مع الفشل باعتباره نهاية الطريق.
في هذه الأثناء قررت أن أتعلم مجال العناية بالأظافر، فاستدنت مبلغاً بسيطاً واشتريت أدوات العمل الأساسية، ثم بدأت العمل بشكل مستقل في المنزل. مع الوقت، استطعت تسديد الدين والاعتماد على نفسي في مصاريف متابعة الدراسة والحياة اليومية.
ما أود قوله أن تجربتي لم تكن عن الحظ أو عن طريق سهل ومضمون، بل عن شخص احتاج وقتاً طويلاً ليكتشف أن بداياته لا تحدد بالضرورة أين يمكن أن يصل.
ما حققته حتى الآن ليس نهاية القصة، بل نتيجة لمحاولات متراكمة، والإصرار على ألا أبقى محصورة في الصورة التي رسمها الآخرون لي في البداية.




