وأنا كنت واحدة منكم
ذاكرة تُروى
أنا أيضاً تهجّرت… وإذا كنت اليوم أرى شيئاً مختلفاً، فذلك لأنني عشته، لا لأنني أقوله.
بعرف أنو الوضع مكركب، وأنو بلدنا مرّت بأحداث أبداً مو سهلة وتغيّرات كبيرة.
بس أنا كنت معكم بكل هالأحداث، يعني مو جايّة من المريخ، وعشت الخوف والتهجير متلكن.
أنا هون لذكّرك، ولذكّر حالي، إنو دائماً في زوايا تانية منقدر نطلّع منها على الأمور.
بس أحياناً، بسبب ضيق المشاعر وتراكمها، بيتشكّل ضباب ما بيسمحلنا نشوف بوضوح، ولا نطلّع أبعد من الاتجاه يلي واقفين فيه.
أغلبنا صار في هجوم على قريته، وأغلبنا اضطر يترك بيته بلا أي تجهيز مسبق… وأنا كنت وحدة منكم.
بتذكّر كيف كانوا عم ينادولنا لنطلع بسرعة، وفعلاً، خلال وقت قصير، كنا كلنا برا بيوتنا.
للصراحة، ما كنت حابة أترك، وما كنت قادرة أتقبّل فكرة الرحيل.
بس لما شفت إنو الكل رح يطلع، صار طبيعي إني أطلع أنا كمان.
كنت زعلانة كتير، ومتمسكة بالأمل إني أرجع بأي طريقة… بس ما زبط معي شي.
ومع الوقت، ووسط كل هالتقلّبات، بلّشت شوف شغلات ما كنت شايفتها.
تعرّفت على ناس جداد، وشفت كرم وضيافة أهل السهوة ومحبتهم، وقربت من عيلتي بطريقة مختلفة، وتغيّرت نظرتي لكثير أمور.
الروحة، يلي كانت بالنسبة إلي بالبداية شي سيّئ، كانت عم تفتحلي باب جديد من جوّا.
ولما رجعت، لقيت جيتاري، يلي بحبّه كتير، مكسّر، وكل قطعة بجهة. زعلت عليه كتير.
بس بعد ما هديت، خطر ببالي سؤال ما كنت متوقعة فكّر فيه:
يمكن وجوده معي بالشكل القديم… ما عاد هو الشي اللي بخدمني اليوم.
ومن هون فهمت إنو أحياناً، نحنا منتمسك بأشياء لأننا منحبها، مو لأننا بعدها بتشبه الشخص اللي صرنا عليه.
لهيك حبيت شارك هالقصة.
مو لأقول إنو الخسارة سهلة.
ولا إنو كل شي بينتهي بخير.
بس لأقول إنو أحياناً، الشي اللي منحسبه خسارة كاملة… بيكون فاتح باب لربح لساتنا ما اكتشفناه.
إذا كنت من الأشخاص يلي فقدوا بيت، أو شخص، أو ذكرى، أو حتى جزء من أنفسهم…
أنا بفهم ألمك.
بس إذا بتقدر…
اسأل حالك بهدوء:
شو الشي الجديد يلي ولِد داخلي بسبب هالتجربة؟
شو الباب يلي انفتح، حتى لو ما كنت شايفه لهلّق؟
وشو الشي يلي اكتشفته عن نفسي، وما كنت رح أعرفه لو ما مرّيت بكل هاد؟
أكيد ما عم قول إنو الطريق سهلة.
ولا إنو الحزن لازم يختفي.
بس أوقات…
الخسارة ما بتكون نهاية الطريق.
بتكون بداية طريق جديد، ما كنا لنعرف بوجوده لولاها.
ومن وقتها…
كل ما بخسر شي…
بصير أسأل حالي:
شو الباب يلي لسا ما انتبهت إنو انفتح؟
أنا أيضاً تهجّرت… وإذا كنت اليوم أرى شيئاً مختلفاً، فذلك لأنني عشته، لا لأنني أقوله.




