حين انقسمت الذاكرة إلى قبلٍ وبعد
فـي تموز الماضي، كانت السويداء تدخل واحدة من أثقل لحظاتها، حين تحوّلت التوترات إلى هجوم عسكري طال المدينة وبلداتها، ووصل صداه إلى داخل البيوت. خلال أيام قليلة، تغيّر إيقاع الحياة، وصار الخوف جزءاً من المشهد اليومي، مع أصوات القصف، وحركة النزوح، والقلق الذي تسلل إلى التفاصيل الصغيرة.
ما جرى في تلك الأيام استقر كعلامة فاصلة في ذاكرة السكان، قَسم الإحساس بالزمن إلى قبلٍ واضح وبعدٍ مختلف، وأعاد تشكيل العلاقة مع الأمان. منذ ذلك الحين، لم يعد الخوف حالة عابرة، بل شعوراً مقيماً يظهر في الترقّب، وفي الأسئلة التي تتكرر بصمت.
هذا النص يقترب من تلك التجربة كما تعيشها الذاكرة الجماعية اليوم، يحاول أن ينقل إحساس الناس بهذا الانكسار، وأن يرصد كيف تحوّل ما حدث إلى هاجس مستمر، يعود مع كل ما يشبهه، ويستقر في الداخل.
ذلك اليوم لم ينتهِ بالنسبة لي كل تفصيل فيه ما زال حاضراً اشعر أحياناً أنني ما زلت هناك، في نفس اللحظة.
— إحدى النساء
في تموز الماضي، لم يكن الخوف خبراً يُتداول، بل تجربةً عاشها الناس داخل بيوتهم.
في تموز الأسود، لم تكن السويداء أمام حدثٍ عابر، بل أمام لحظة اقتحامٍ قاسية كسرت إيقاع الحياة، ووضعت مجتمعاً كاملاً في مواجهة خوفٍ لم يكن مألوفاً بهذا الشكل، في تلك الأيام، دخل العنف إلى البيوت وتحوّلت التفاصيل اليومية البسيطة إلى مساحات قلق وترقّب.
لم يعد السؤال:
ماذا يحدث؟… بل: هل نحن بأمان؟
ما جرى لم يكن مجرد أحداث متفرقة، بل تجربة جماعية تركت أثراً عميقاً لا يزال حاضراً حتى اليوم في الذاكرة، وفي الإحساس، وفي طريقة نظر الناس إلى حياتهم. لم يعد تموز حدثاً عابراً في ذاكرة السويداء، بل أصبح اسماً لجرحٍ مفتوح.
تجربةً أعادت تشكيل الإحساس بالحياة، والأمان، والمعنى…. اليوم، حين يتحدث الناس، لا يتحدثون كأفراد فقط، بل كجماعة تحمل ذاكرة مشتركة، يقول أحدهم:
“لم نعد كما كنا حتى الذين لم يفقدوا أحداً فقدوا شيئاً في داخلهم”.
ويضيف آخر:
“الوجع ليس فقط فيما حدث، بل في استمرار أثره في الخوف الذي بقي، وفي الأسئلة التي لم تُجب”.
هذا الصوت ليس صوت شخصٍ واحد، بل صدى يتكرر في بيوت كثيرة، وفي أحاديث خافتة، وفي صمتٍ طويل.
خلف هذا الصوت الجماعي، توجد شهادات فردية، تحمل تفاصيل لا يمكن تجاهلها.
تقول إحدى النساء:
“ذلك اليوم لم ينتهِ بالنسبة لي كل تفصيل فيه ما زال حاضراً أشعر أحياناً أنني ما زلت هناك، في نفس اللحظة”.
رجل فقد أحد أفراد عائلته يروي:
“كنا نعيش حياة بسيطة لم نكن نتوقع أن يتحول كل شيء بهذه السرعة الفقد ليس فقط غياب شخص بل غياب إحساس كامل بالاستقرار”.
وفي شهادة أخرى:
“هناك أشياء رأيناها…وأشياء سمعناها…وأشياء لا نستطيع حتى أن نسميها لكنها كلها تركت أثراً لا يزول بسهولة”.
أمّ تتحدث بصوتٍ متعب:
“الخوف على الأطفال لم ينتهِ حتى بعد مرور الوقت، ما زال القلق يرافقنا في كل لحظة”.
هذه الشهادات وإن كانت مجتزأة تعكس واقعاً أوسع، مجتمعاً واجه صدمة عميقة، ولا يزال يعيش تبعاتها.
السويداء اليوم ليست فقط مكاناً تعافى، ولا مكاناً منكسر بالكامل، بل مساحة بين الاثنين، تحاول أن تستعيد توازنها، وأن تفهم ما حدث، وأن تجد طريقة للاستمرار ورغم كل شيء، هناك إصرار واضح ليس على النسيان، بل على البقاء.
يقول الصوت الجماعي:
نحن هنا.. نحمل ما حدث.. لكننا نحاول أن نعيش أيضاً.
ما بعد تموز ليس مجرد مرحلة زمنية، بل اختبار طويل للذاكرة، وللقدرة على التماسك، ولمعنى أن تكون جزءاً من مجتمعٍ تعرّض لصدمة وربما في جمع هذه الأصوات، الفردية منها والجماعية تظهر حقيقة واحدة، أن الألم، حين يُروى لا يختفي، لكنه يصبح مفهوماً أكثر وأقل وحدة.




