من نيران الطريق إلى زنزانة البيت
في السادس من كانون الأول 2024، كنتُ أقرب ما أكون إلى العدم. الحافلة التي كانت تُقلّني نحو وجهتي وجدت نفسها فجأةً في برزخِ الموت، عالقةً بين نيران أطراف النزاع المشتعلة — أياً كانت المسميات التي يتلحفون بها لانتزاع شرعيةٍ من فوهة بندقية. كانت الذخائر تتقاطع فوق رؤوسنا بكثافةٍ مرعبة، حتى بدا المشهد وكأنه خارجٌ عن قدرة البشر على الاحتمال.
ترنّح الباصُ في مكانه؛ حائراً، عاجزاً عن التقدّم أو النكوص. مقاتلون يصرخون، يطلقون الرصاص، ويتحرّكون في فوضاهم كأن لا أحد غيرهم يطأ هذا الكوكب. أما نحن، الركّاب العزّل إلا من هواجسنا المتلاطمة، فكنا نحمل ثقل خوفنا ونتساءل بصمت: ماذا نفعل؟ كيف نحتمي؟ هل نصرخ أم نلوذ بالاختباء خلف جدرانٍ من وهم؟
«الخوف استحال جزءاً من بنيتنا النفسية، كضوءٍ أحمر لا ينطفئ أبداً.»
— حازم سلام
أنا، ببساطة، نظرتُ إلى كفيّ. لم أكن أملك سوى البحث عن طقسٍ يدرأ عني الانهيار الوشيك؛ وضعتُ سماعات الأذن. كنتُ تحت وطأة الخوف، وتحت أزيز الرصاص، وكان عليّ أن أتشبث بلقطةٍ لا تشبه الموت، لحظةٍ تعيدُ ترميمي من الداخل. حينها فقط، استحضُرت جملة ألبير كامو في “أسطورة سيزيف”:
“لا يوجد قدرٌ لا يمكن تجاوزه دون موسيقى”.
تزامن ذلك مع انقضاء عقد عملي الأخير، في أيامٍ شهدت تحولاتٍ كبرى، وكأن المدينة برمّتها كانت تتحضّر لإيقاف نبضها. كنتُ موقناً أن “البدايات الجديدة” صارت ضرباً من المحال، ليس فقط لاحتدام الظروف، بل لأن الحياة ذاتها دخلت في غيبوبةٍ طويلة. صرتُ أستيقظُ كل صباحٍ بلا جدولٍ أو غاية، أقتاتُ على عدّ الساعات التي لا تنقضي، في مدينةٍ لم تعد تشبه إلا الانتظار المُرّ.
ورغم إقامتي في دمشق، إلا أنني لم أكن أعيشُ حقاً. بلا عمل، بلا مال، وبلا أفقٍ يرتسمُ في البعيد. شعرتُ أنني سجينٌ داخل غرفةٍ مُصمتة، كل نوافذها تُطلُّ على طرقٍ مغلقة. حتى الهواء صار أثقل، وكأن المدينة نفسها تضيق بنا.
لكن العبث لم يتوقف عند تلك اللحظة.
بعد عدة أشهر، وفي جرمانا بتاريخ 25 نيسان 2025، استيقظتُ على دويّ رصاصٍ متقطع وصرخاتٍ تمزق سكون الشارع. كانت الأنباء تتواتر عن اشتباكاتٍ بين مجموعاتٍ محلية وهوياتٍ متصارعة. شعرتُ حينها أن شيئاً ما في روح المدينة قد انكسر، شيءٌ تجاوز حدود الإصلاح. قررتُ النجاة بنفسي؛ لم أكن أعرف وجهتي بدقة، لكنني أيقنتُ أن البقاء في مكاني لم يعد خياراً مطروحاً.
خرجتُ مسرعاً، ووقفتُ عند أول زقاقٍ فرعي، رفعتُ يدي لأستوقف سيارة أجرة. كانت شمس النهار باهتة، تراقبُ المشهد بصمتٍ مريب. توقفت سيارةٌ صفراء، زجاجها الجانبي مهشمٌ جزئياً، يقودها شابٌ في الثلاثينيات. لم يلتفت إليّ، بل قال بنبرةٍ قاطعة: “اصعد بسرعة، لم يتبقَّ وقت.”
ارتميتُ في المقعد الخلفي، وظهري متصلبٌ كأنني أجلس فوق شظايا زجاجية. في الوهلة الأولى، لمحتُ جعبةً عسكرية محشوة بالرصاص، وسلاحاً يستريحُ قرب السائق، وصندوقاً معدنياً يوحي بكل أنواع الخطر.
ارتجفت يداي. نظرتُ إلى السلاح كأنني أرصدُ وحشاً كاسراً في غفوته، وأي حركةٍ مني قد توقظه. فكّرتُ أن أطلب منه التوقف، أن أفرّ راكضاً، لكن قدميّ كانتا ثقيلتين. التفت إليّ السائق وقال بابتسامةٍ غامضة:
“والمزيدُ في الصندوق الخلفي”.
لم أُحرِك ساكناً. اكتفيتُ بالنظر من النافذة محاولاً تهدئة خوفي، بينما قلبي يخفق بعنف. كنتُ منهكاً، لم يزر النوم عينيّ منذ أكثر من 24 ساعة، وعيناي جفتا من فرط القلق.
لاحقاً، اعترض طريقنا حاجزٌ محلي. اقترب أحدهم من النافذة وقال بحدة: “ممنوعٌ على أحدٍ الخروج، وما يصيبكم يصيبنا.” ثم أردف آخر: “وجودكم في المنطقة هو حمايتنا.. يكفي من هربوا.”
كانوا يتحدثون وكأننا دروعٌ بشرية، وكأن بقاءنا هو الضمانة لحمايتهم، لا لحماية أنفسنا. نظرتُ إلى وجه المتحدث؛ لم أدرِ إن كان يدرك أبعاد ما يقول. هل هو خائف؟ هل يحتاجنا كحضورٍ عاطفي يشدّ أزره؟ لقد تُرِكَ هذا الشاب وحيداً، فخاف من الوحدة. وأنا، المتصلّبُ بالخوف، يريدُ هو أن يحتمي بي؟ ابتلعتُ خوفي وصمتُّ حتى عبرنا إلى شارعٍ أقلَّ توتراً.
نزلتُ من السيارة بصمت، وأنا أشعر أن الأرض تميدُ تحت قدمي. في الأيام التالية، لزمتُ المنزل أقتفي أثر الأخبار، وأحاول استيعاب هذا الانفجار. كانت القوى الخارجية والمصالح الدولية تعبثُ بمصيرنا، بينما كانت سوريا تذوبُ في الانقسام المجتمعي. صار الخروج من المنزل كابوساً؛ نخشى “الآخر” الذي يخشانا بدوره، وغدت العلاقات محاصرة بالريبة.
في هذا السياق، حين تحدث ميشيل فوكو في “المراقبة والمعاقبة”، أشار إلى أن أدوات السيطرة لم تعد تنحصر في السجن، بل في المراقبة اليومية، وتلك التفاصيل الصغيرة التي تُربك الوعي وتحاصر الحرية. بهذا المعنى، فإن العيش في واقعنا اليوم هو تجربةٌ نفسية حادة، تُفكك الهوية وتُبدد الأمان. ليست مجرد معركة أنظمة وفصائل، بل وطنٌ يتمزق، وسياسةٌ تقوم على القهر.
وكما قال جلال أمين: “أخطرُ ما في الاستبداد أنه يُغيّر الإنسان نفسه، ويجعله أكثر استعداداً لقبول العنف والانكسار”.
لقد أَلِفنا أن يتعسكر المجتمع في لمح البصر. صرنا نحفظُ نمط التحوّل المفاجئ حين يخضع كل شيء لإرادة الرصاص. في بلادنا، الشيء الوحيد الذي ينتشر أسرع من الخبز هو “احتمالية الموت”؛ أدوات القتل مشاعة، واليدُ الممدودة نحو الزناد تتربصُ بنا في كل زاوية.
نقول أحياناً، بنوعٍ من الإنكار: “رؤية السلاح أصبحت عادية.” لكن الحقيقة أننا لم نألفه قط؛ نحن فقط اعتدنا حضوره، وما زلنا نرتعدُ من فكرة استخدامه. الخوف استحال جزءاً من بنيتنا النفسية، كضوءٍ أحمر لا ينطفئ أبدًا.
أما بيتُ العائلة، فقد استحال دائرةً مغلقة من القلق. لا حصار رسمياً يطوّقه، لكن الحصار الحقيقي كان يسكنُ داخل الجدران. التعليمات الصارمة، الحذر من الكلام، من التظاهر بالراحة.. كل ذلك جعلني أشعر أنني أُقيم في سجنٍ عاطفي، مموّهٍ بمفارش نظيفة وأكواب شاي.
لقد تبدّل حتى شكل الحب؛ خوفُ أهلي لم يعد حناناً يغمرني، بل صار عبئاً، مثل بطانيةٍ ثقيلة تُلقى فوق جسدٍ مبتلّ، فلا تدفئه بل تخنقه. مطالبتي بأن أكون “حذراً”، جعلتني أحملُ مسؤولية حماية نفسي، وكأنني حارسٌ وحيد في معركةٍ غير متكافئة.
جسدي نفسه لم يعد ملكي؛ فقدتُ قدرتي على المشي بحرية دون شعورٍ بعينٍ ترقبني. صارت خطواتي مقتضبة، متوترة، وعيناي ترصدان الزوايا بخوفٍ غريزي.
وهكذا، وجدتُني محاصراً.. لا بسياجٍ، بل بالخوف. محاصراً بالقلق، وبواجب الدفاع عن كينونتي أمام كل شيء: الصراعات، الشوارع، والقلوب القريبة التي تخافُ عليّ.. حتى تخنقني.




