عندما يصبح الخوف يوماً عادياً
يتناول هذا النص تجربة شخصية كُتبت في أعقاب أحداث العنف التي شهدتها محافظة السويداء في تموز 2025، والتي ترافقت مع انتهاكات وأعمال عنف طالت المدنيين، وخلّفت آثاراً إنسانية ونفسية عميقة على السكان.
لا يركز النص على الحدث بوصفه واقعة سياسية أو أمنية، بل على أثره اليومي والإنساني، وكيف يمكن للخوف والنجاة وعدم اليقين أن يعيدوا تشكيل تفاصيل الحياة العادية.
في لحظات معينة، لا تعود الأحداث مجرد أخبار تروى، بل تتحول إلى تجربة معيشية تترك أثرها في التفاصيل الصغيرة للحياة اليومية، وتعيد تشكيل علاقة الإنسان بالمكان والنجاة والخوف.
عندما كان الموت احتمالاً يومياً في السويداء، لم يكن الخوف فكرةً عابرة، بل كان شيئاً ملموساً يكبر بين لحظة وأخرى. بدأ كل شيء بخبر، ثم خبرٍ آخر، ثم فيديو لا يُفترض أن يُشاهد… لكنه شوهد.
«صوت القصف لم يعد بعيداً، بل صار يدخل إلى الداخل، إلى القلب مباشرة.»
— جوليانا الزغير
أصبحنا نعرف تفاصيل لم يكن من المفترض أن نعرفها، عن أناسٍ كانوا يعيشون مثلنا قبل أيام، ثم صاروا مجرد حكايات تُروى بخوف. ومع كل خبر، كان شيء في داخلنا ينكسر بهدوء.
ثم، فجأة، انقطع كل شيء.
الكهرباء ذهبت، والإنترنت اختفى، والعالم صار أصغر من غرفة.
كل شخص انحبس في منطقته، وكل منطقة صارت عالماً منفصلاً، مقطوعاً ومُعلّقاً على مصيره.
نزلنا إلى السوق مرة، ليس فقط للتبضّع، بل لنرى إن كان هناك شيء بقي. كانت الرفوف فارغة بشكلٍ غريب ومخيف. لم يبقَ سوى المنظفات، كأن الحياة انسحبت وتركت خلفها أشياء بلا معنى. حتى الخبز أصبح غائباً بطريقة لا تُقال بسهولة.
الخضرة اختفت، وبقيت البندورة وحدها واقفة، كأنها شاهدٌ على غياب كل شيء آخر.
صرنا نخرج إلى الشارع لسببٍ واحد: شحن الهواتف.
مشهد لا يُنسى… الأرصفة تحولت إلى أسلاك شحن، متشابكة بشكلٍ فوضوي، ونحن جميعاً موصولون بخيطٍ رفيع من الأمل: بطارية تكفي لخبر، أو طمأنينة، أو خوف إضافي.
ثم جاءت الليلة.
الليلة التي شعرنا فيها أن لا “لاحقاً” بعدها.
صار الصوت أقرب، أثقل، أوضح.
صوت القصف لم يعد بعيداً، بل صار يدخل إلى الداخل، إلى القلب مباشرة.
في تلك اللحظة، لم تعد هناك خطط، ولا أفكار للهرب، ولا حتى قدرة على تخيّل نهاية واضحة. كان هناك سؤال واحد فقط: كيف يمكن أن تنتهي؟
كنت في البيت أنا، وماما، وأختي، وتيتا الكبيرة بالعمر.
وبابا غائباً منذ زمن.
جربت الخسارة من قبل، جربت كيف يموت أغلى شخص، وكيف تشعر أن جزءاً منك يذهب معه. انهيت وقتها، وكنت أظن أن هذا أقصى ما يمكن أن يمر على إنسان.
لكن في تلك الليلة، فهمت أن هناك ما هو أقسى:
أن لا تخسر أحداً بعد… بل أن تنتظر الخسارة، تراها تقترب، ولا تملك شيئاً لتفعله.
شعور العجز لا صوت له، لكنه يخنق.
أن تجلس منتظراً، ليس انتظاراً عادياً، بل انتظار النهاية.
فكرت بالهرب، لكن لم يكن هناك مهرب. كنت أرى الناس من الشباك يهربون، وأنا لا أستطيع الحركة، ليس لأنني لا أريد، بل لأنه لا يوجد طريق. لا أحد يحمي، لا مكان نذهب إليه، لا خطة.
مسكت يد أختي بقوة، كأن تركها يعني ضياعها.
الدموع كانت في عيوننا، لكن حتى البكاء كان ناقصاً، كأن ما يحدث أكبر من أن يُبكى.
في تلك اللحظات، تصبح الأفكار غريبة، مخيفة، لا تشبهنا.
كل الاحتمالات كانت مرعبة، حتى العقل بدأ يبحث عن أي نهاية، مهما كانت قاسية، فقط لأنها أسرع من المجهول.
لم تكن هناك بطولة، ولا شجاعة، فقط إنسان يتمسك بالحياة بأضعف شكل ممكن، وبأقوى غريزة فيه.
في تلك الليلة، فهمت شيئاً لن أنساه:
أن الإنسان، حتى عندما يكون محاصراً بالخوف، مكسوراً وعاجزاً، سيبقى متمسكاً بالحياة بطريقة لا تُقال، حتى لو كانت الحياة نفسها تتسلل من بين يديه.




