صديقي الرقم صفر

ينطلق هذا النص السردي من التأمل في “الصفر”، ليس بوصفه رقماً رياضياً، بل كحالة إنسانية واجتماعية تعبّر عن الفراغ والبداية في آن واحد. فالصفر، رغم دلالته على العدم، يحمل في جوهره إمكانية الانطلاق من جديد، وهو ما يختبره كثير من السوريين عند عودتهم إلى وطنٍ غائبٍ مستقبله، متآكلٍ منه الماضي.

العائدون إلى سوريا لا يعودون إلى أنفسهم.  
— ياسين المسلَخ

عادةً ما يكتب السوريون والسوريات عمّا يريدونه من هذه الجغرافيا التي يسمّونها وطناً؛ قائمة طويلة من الرغبات المؤجّلة: حرية، عيشٌ مشترك، عدالةٌ لمن سُلب حقّه، ومساعٍ حقيقية للنهوض من بين كل ما تهدّم.

الكثير من السوريين عادوا إلى بلدهم حاملين في داخلهم رغبةً ببداية جديدة مع البلاد التي اضطرّوا لمغادرتها يوماً.
في الليلة الماضية، كنا مجموعةً ممن عاشوا خارج البلاد لفترات طويلة. جلسنا معاً نحاول أن نتشارك ما تبقّى من قصصنا، أو ما بدأ يتشكّل منها عند عودتنا. لم يحتج الأمر وقتاً طويلاً حتى قيل التعبير الذي يطول في اختصاره، ويشترك في شرحه الجميع: “كأني عم أبدأ من الصفر”.

الصفر هنا لم يعد رقماً، ولم يعد رمزاً يدلّ على الفراغ أو العدم، بل أصبح حالةً إنسانيةً واجتماعية، وجزءاً من الذاكرة الجمعية في حياة السوريين، التي قد تتغيّر تفاصيلها من شخص إلى آخر، لكنها ذاكرة ذات جوهرٍ بطولي يدلّ على النهوض مرةً أخرى، وبداية طريق “الصفر”، حتى لو كنت تعتقد أنك قطعت طريقاً طويلاً في سنوات الاغتراب.

ربما بدأت هذه العلاقة مع الصفر في عام 2011، مع بداية الحراك الثوري الشعبي ضد نظامٍ دكتاتوري ممنهج. ومن تلك “البداية” بدا كل شيء ممكناً أن يُعاد تعريفه، حيث كانت هناك رغبة جماعية في البدء معاً من الصفر، كمحاولة لإعادة إيجاد المعنى: معنى الحياة، معنى الوطن، ومعنى أن تكون إنساناً في هذا المكان.

في بداية هذا الطريق، حُمِّلت البلاد أثقال الحرب، ومعها فوضى التحوّلات، وملايين الحكايات التي حملها الناس معهم إلى المنفى. الغربة لم تكن خياراً مألوفاً للسوريين؛ أتذكّر جيداً أن فكرة السفر لم تكن جزءاً من الحياة اليومية، واليوم أصبحت تجربةً شبه جماعية لمن يحمل هذه الجنسية.

العائدون إلى سوريا لا يعودون إلى أنفسهم. في الغربة، تعلّمنا كيف نعيد تشكيل أنفسنا، وكيف نقدّم نسخاً قابلةً للحياة في مجتمعات جديدة. لكن ما لم يخبرنا به أحد، هو أن العودة ليست استعادةً لما كان، بل بدايةً أخرى أكثر تعقيداً. فالعائلة التي تركتها لم تعد كما كانت، وأنت أيضاً لم تعد الشخص ذاته. تجلس بينهم، وتدرك أنك بحاجة لأن تبدأ من جديد: أن تصنع ذكرياتٍ أخرى، أن تخلق لغةً مشتركة، أن تعيد بناء نفسك من ذاكرةٍ متعبةٍ هشّة. فتفهم، بطريقةٍ ما، أن عليك أن تبدأ من الصفر… في محاولة للدخول إلى حياةٍ كنت تظن أنها لك.

الأمر لا يتوقف عند العائلة؛ فمع الأصدقاء أيضاً، تجد نفسك تشرح من جديد: ما الذي تغيّر فيك؟ ما الذي لم تعد تحبّه؟ ما الذي أصبحت تحتاجه لتشعر بأنك بخير؟ كأنك تعرّف نفسك مراتٍ أخرى من البداية، بلغةٍ لم تُتقنها سابقاً.

لذا لا يبدو غريباً أن تتكرّر الجملة ذاتها، في أماكن مختلفة، وعلى ألسنة كثيرة: “كأني عم أبدأ من الصفر”. ليست شكوى بقدر ما هي اعتراف؛ اعتراف بأن ما حدث غيّرنا، وأن ما سنكونه لم يتشكّل بعد، وأننا، رغم كل شيء، ما زلنا نحاول الصبر.

لهذا، يبدو أن الصفر أصبح رفيقاً خفياً في حياة السوريين: في لحظة الثورة، في قرار الرحيل، في محاولات النجاة، وفي العودة أيضاً. دائماً هناك بداية ما تُفرض علينا، أو نختارها، لنكتشف أننا نقف مرةً أخرى عند النقطة نفسها.

كتابة: ياسين المسلَخ