عن قلق الحرية.. وما بعدها

ليست الحريةُ كما نحب أن نرويها لأنفسنا؛ ليست جناحين، ولا أفقاً مفتوحاً، ولا ذلك الضوء البهيّ الذي ينساب في الخطب والقصائد. الحرية، في لحظتها الصافية، أقرب إلى فراغٍ مفاجئ… إلى أرضٍ تُسحب من تحت القدمين، تاركةً الإنسان واقفاً وحده، بلا سندٍ إلا نفسه.

ليست الكتابة عندي ترفاً فكرياً، بل تمريناً على مواجهة الذات.  
— نغم المحيثاوي

 ومن هنا أبدأ.

ثمة بوصلةٌ خفيةٌ تقودني كلما هممتُ بالكتابة؛ لا تشير إلى الشمال كما تفعل بوصلات البحّارة، بل إلى تلك المنطقة الملتبسة بين الفكر والقلق، حيثُ تولدُ الأسئلة أكثر مما تُولد الأجوبة.
أنا لا أكتبُ لأطمئن، بل لأقلق.
لا أبحث عن يقينٍ ناعمٍ يُسكّن الروح، بل عن صدعٍ دقيقٍ في جدار المسلّمات، يتسرّب منه ضوءٌ حادٌّ يكشف أكثر مما يُريح.
صوتي الكتابي ليس خطابةً ولا تقريراً، بل محاولة دائمة لخلخلة ما نظنه ثابتاً، واستنطاق ما نظنه بديهياً.

ومن بين تلك البديهيات التي أحب أن أُربكها، تبرز الحرية. يكتب كثيرون عن الحرية كحلمٍ صافٍ، كأنها شمسٌ لا تحرق، وسماءٌ لا تُرعب. تُقدَّم غالباً بوصفها الخلاص النهائي، وكأن الإنسان إذا نالها استقر، وهدأ، واكتمل. لكن قلّما يُطرح السؤال:
ماذا بعد أن نصبح أحراراً؟

هنا يبدأ القلق.
فالحرية، في جوهرها، ليست هديةً مريحة، بل عبئاً ثقيلاً. إنها لحظة انكشافٍ كاملٍ، حين يُترك الإنسان وحيداً أمام احتمالاته كلها، بلا أعذارٍ جاهزةٍ، ولا سلطةٍ يتكئ عليها، ولا تقاليد يختبئ خلفها.
الحرية لا تعني فقط أن تفعل ما تشاء، بل أن تتحمّل ما تفعل، وأن تعترف بأنك أنت المسؤول، لا أحد سواك.

وهنا تحديداً، يبدأ نوعٌ من الهروب. يشير “إريك فروم” (Erich Fromm) في كتابه “الهروب من الحرية” (Escape from Freedom) إلى مفارقةٍ مقلقةٍ: الإنسان، حين يتحرر من القيود الخارجية، قد لا يحتفل طويلاً، بل يميل —بوعيٍ أو بغير وعي— إلى البحث عن قيودٍ جديدةٍ. لا لأنه يحب العبودية، بل لأنه يخشى الوحدة التي تفرضها الحرية.
فأن تكون حراً يعني أن تكون فرداً، منفصلاً، مسؤولاً، وهذا شعورٌ ليس هيّناً على النفس البشرية.

من هنا يمكن فهم كيف قد يختار الإنسان الخضوع، أو ينجذب إلى الأنظمة الصارمة، أو يذوب في الجماعة حتى يفقد صوته الخاص. لا يحدث ذلك دائماً بدافع القهر، بل أحياناً بدافع الخوف من تلك المساحة المفتوحة التي اسمها الحرية.

إنها ليست مجرد حق، بل امتحان. وأنا، حين أكتب، لا أحتفي بالحرية بوصفها شعاراً، بل أحاول أن أقترب منها كإشكالية: كتوترٍ دائمٍ بين الرغبة في الانطلاق، والخوف من السقوط. أحاول أن أعرّي تلك الرغبة الخفية في الاحتماء، أن أشير إلى القيود التي قد ننسجها بأيدينا، ثم نزعم أنها فُرضت علينا.

ليست الكتابة عندي ترفاً فكرياً، بل تمريناً على مواجهة الذات. وكل نصٍ أكتبه هو محاولة صغيرة للإجابة عن سؤالٍ أكبر: هل نريد الحرية حقاً، أم نريد صورتها فقط؟

أما أنا… فلا أخشى أن أُقرّ بشيءٍ واحد: أننا في أعماقنا قد لا نرتعب من القيود بقدر ما نرتعب من غيابها. وأن أخطر ما قد نواجهه يوماً، ليس أن تُسلب حريتنا… بل أن تُترك لنا كاملةً.

كتابة: نغم المحيثاوي