وجع لا يعرف الجغرافيا

يسكنُ كثير من السوريين مصطلحٌ نردده في صباحاتنا الخائبة وطموحاتنا المؤجلة، نسميه “الحلقة المفرغة”. لكنه في واقعنا ليس مجرد استعارة لغوية، بل هو هندسة يومية لحياتنا؛ دائرة محكمة الإغلاق من العمل المنهك الذي لا يورث إلا التعب، ومن الركض خلف أحلامٍ تبدو كأحلام معلّقة على هامش النفوذ، تنتظر فرصة من صاحب مال أو نفوذ، ومع الوقت تتشابه الوجوه في انتظار شيء قد لا يأتي.

هي ليست قصة حدثٍ كبير، بل قصة شعورٍ يتشكّل بهدوء، ويكشف كيف يمكن للخوف أن يصبح جزءاً من التفاصيل اليومية، وكيف يمكن للأمان—ولو للحظة—أن يعيد تعريف المكان.

الألم الذي شعرت به لم يكن عاطفة مجردة، بل كان انعكاساً لتمزق الهوية؛  
— شمس

عنف كدائرة كبرى: حين نصبح ضحايا وجلادين
قبل أن نتحدث عن السويداء، علينا أن نتأمل العنف في ماهيته العامة. العنف ليس مجرد رصاصة أو صرخة، بل هو مناخ يغلف الوجود حين تغيب العدالة.
إنه القوة التي تحاول إلغاء الآخر وتحويله إلى “شيء” مجرد من إنسانيته. في سوريا، لم يعد العنف حدثاً طارئاً، بل صار حاضراً في تفاصيل الحياة اليومية لدى كثيرين.

يبدو أن كثيرين منا باتوا يميلون إلى العنف بأشكال مختلفة؛ ربما في ردود أفعالنا، في أحكامنا القاسية، أو حتى في صمتنا الذي يداري انكسارنا.

المأساة الكبرى هي أننا، بوعينا القليل المتبقي، نحاول جاهدين ألا نكون جزءاً من دائرة العنف هذه، لكنها تبتلعنا بتفاصيلها. نحاول ألا نكون “عنيفين”، بينما كل ما حولنا يمارس ضغطاً على أحلامنا، استقرارنا، وحتى أبسط حقوقنا في الأمان.
هذه المحاولة للبقاء آمنين وسط غابة من التوحش هي بحد ذاتها معركة يومية نخوضها كأفراد، معركة لنحافظ على ما تبقى من رقة في أرواحنا وسط قسوة لا ترحم.

عن السويداء: حين يطرق العنف باب الروح
أقف اليوم أمام هذه الحلقة كإنسان يحاول فهم هويته التي تتجاوز القيد الجغرافي.
أسأل نفسي دوماً:
من نحن كبشر حين تضيق بنا البلاد؟ ومن نحن حين نكون سوريين وتصبح هويتنا مجرد رد فعل على الفجيعة؟
إن انتمائي ليس مجرد انتماء للمكان الذي وُلدت فيه، بل هو “انتماء شامل” يجعل من وجع أي مدينة سورية وجعاً شخصياً لي.
أنا ابنة القامشلي حين يشتد عليها الضيق، وأنا ابنة الساحل حين يغرق في حزنه، ابنة حمص حين قاومت القتل والقصف وحدها، وأنا اليوم بكل ثقلي الوجداني ابنة السويداء.

هذا الانتماء هو الذي جعلني أعيش حالة من الصدمة والذهول أمام الأحداث الأخيرة في السويداء.
لم يكن شعوراً عابراً، بل كان زلزالاً هز ثباتي النفسي.
وحين بدأت تتوارد أخبار عن استهداف النساء وخطفهن، تحول القلق العام إلى خوف حسي، ملموس، ومدبّب.

كفتاة تعيش في هذا المكان، شعرت أن الخطر لا يهدد “الآخرين” هناك فقط، بل يهدد كينونتي أنا.
إن خطف النساء في السويداء هو محاولة لخطف الأمان من عيون كل السوريات، وهو ما جعلني أشعر بـ”ذنب الناجي”؛ ذلك الشعور القاسي بأني أمارس تفاصيل يومي، بينما آخرون هناك يواجهون الخطر وجهاً لوجه.

رسالة من عمق القلق
نعم، الخطر يمتد على طول الخارطة السورية، لكنه في السويداء اليوم يبدو أكثر وضوحاً وأقرب من أي وقت مضى. الألم الذي شعرت به لم يكن عاطفة مجردة، بل كان انعكاساً لتمزق الهوية؛ فكيف لي أن أكون بخير إذا كان جزء مني، يسكن في بيوت السويداء وشوارعها، يرتجف خوفاً؟

هؤلاء ليسوا غرباء بالنسبة لي؛ ما يمرّون به ينعكس عليّ، وقلقهم يمتد إلى يومي وتفكيري.

إنها رسالة من “خارج” السويداء جغرافياً، لكنها من عمقها وجدانياً.
رسالة تقول إننا نرفض أن تظل حياتنا مجرد “حلقة مفرغة” من العنف والانتظار.
نحن بحاجة لأن نكسر هذه الدائرة، ليس فقط بالشعارات، بل بهذا الإحساس العميق بأن مصيرنا مترابط.

ما يحدث في أي بقعة يترك أثراً في الجميع، وإن الوقوف مع السويداء اليوم هو موقف مرتبط بإنسانيتنا، ومع حقنا في أن نعيش في بلاد لا تخاف فيها النساء من الطريق، ولا يخاف فيها الرجال من الغد.

ستبقى السويداء في قلبي كجزء أصيل من هويتي السورية الشاملة التي لا تقبل التجزئة. ومن وسط خوفي وقلقي، أرسل هذه الكلمات كشهادة على أننا، رغم كل شيء، ما زلنا نشعر، وما زلنا نرفض أن نعتاد على الألم.

كتابة: شمس