هناك، حيث لم يعد البيت بيتاً
هذا النص ليس توثيقاً كاملاً لما حدث، ولا محاولة لقول الحقيقة النهائية.
هو محاولة للنجاة بالذاكرة… من النسيان.
ما ستقرأه هنا هو جزء من حكاية عشتها، أو مررتُ من خلالها، أو بقيت عالقة في داخلي.
حكاية مدينة لم تكن يوماً مجرّد مكان، بل كانت ناساً، وأصواتاً، وطمأنينة بسيطة… قبل أن تتحوّل فجأة إلى شيء آخر.
هذه ليست قصة حرب فقط، بل قصة ما تفعله الحرب بنا، حين تغيّرنا من الداخل دون أن ننتبه.
جيلٌ كامل وجد نفسه خارج التاريخ فجأة. كأن كل ما تعلّمه صار ورقاً لا يُقرأ.
— سيدره نادر
على السفوح الجنوبية لسوريا، حيث تتكئ الجبال على خاصرة التاريخ، تنام مدينتي الصغيرة: السويداء. اسمها تصغيرٌ لكلمة “سوداء”، كأن الأرض نفسها أرادت أن تبوح بسرّها منذ البداية. هناك، حيث تتناثر الصخور البازلتية الداكنة، لم يكن السواد لون الطبيعة فقط، بل صار لاحقاً لون الحكاية التي عشتها.
لم تكن السويداء يوماً مدينة عادية بالنسبة لي. كانت ذاكرة حيّة، ووجوهاً أعرفها، وأبواباً لا تُغلق في وجه الغريب. لكن في تموزٍ ثقيل من عامٍ مضطرب، تغيّر كل شيء.
بدأت القصة بهدوء خادع، ككل العواصف. تاجر خضار درزي يُدعى فضل الله دوارة، كان عائداً برزقه، ولم يكن يعلم أن الطريق بين خربة الشيب وخربة الفيلق الأول لن توصله إلى بيته. عند حاجزٍ لم يكن مجرد حاجز، انقطعت الحكاية… أو ربما بدأت.
اختُطف الرجل على يد عشائر من البدو، وقيل إنه سُلب ماله وسيارته. بعد ساعات، جاء الرد: خُطف عشرة أشخاص من البدو على يد الدروز. اشتعلت شرارة لم تكن تحتاج إلا نفساً واحداً لتتحول إلى نار. وفي صباح اليوم التالي، أُعلن إطلاق سراح الجميع، وكأن الأمور عادت إلى نصابها… لكن الحقيقة كانت تختبئ خلف ذلك الإعلان.
في حي المقوّس، حيث يسكن الدروز والبدو جنباً إلى جنب، تصاعد الدخان. لم يعد الجوار كافياً ليمنع الرصاص. بدأ إطلاق النار، وبدأ الخوف، وبدأت المدينة تفقد صوتها.
فُرض حظر تجوّل، أُلغيت امتحانات الثانوية، وسكنت الشوارع إلا من القلق. كانت حرباً بلا إعلان… صامتة، لكنها تُسمع في الصدور.
ثم جاء النداء: دعوة إلى السلم، إلى تسليم السلاح، إلى الثقة. بعض القرى رحّبت وفتحت أبوابها كما اعتادت. لكن الأبواب التي فُتحت للضيوف، دخل منها الخوف هذه المرة.
لم تكن النوايا كما قيل. خلال أيام، احترقت القرى الغربية، وسُرقت البيوت، وقُتل الأبرياء. لم يُسأل أحد عن اسمه، بل عن طائفته. صار الانتماء تهمة، وصار الإنسان هدفاً.
عندها أُعلن نكث العهد، وحُمل السلاح في وجه عدوٍ مخادع.
تسلّل الرعب إلى المدينة. نزح الناس، حملوا أطفالهم وذكرياتهم، وتركوا خلفهم كل شيء. بعضهم لم يستطع الهروب، فحُوصر في بيته… في مدينته… في مصيره.
وفي 15 تموز، مع سقوط تل حديد، انكشفت السويداء. لم تعد هناك حماية، ولا وقت. أحاطت الدبابات والمدرعات بالمدينة، كأنها تخنقها ببطء.
ثم دخلوا.
في الشوارع والساحات والبيوت، كُتبت الحكايات بالدم. أُعدم رجال لأنهم رحّبوا بضيوفهم، وسُحبت عائلات إلى ساحات لم تكن تعرف أنها ستكون مسارح موت. في ساحة تشرين، بدا أن الأصوات صمتت إلى الأبد.
حتى البيوت لم تعد مأوى. أُجبر البعض على القفز من شرفاتهم، كأن السماء صارت أرحم من الأرض.
وفي المستشفى، حيث يُفترض أن تُنقذ الحياة، حوصرت الأرواح. امتلأت الغرف بالجرحى، وانقطعت الكهرباء والاتصالات، وبدا العالم بعيداً.
دخل المسلحون المستشفى، لا كمرضى بل كقوة. أُجبر الأطباء على العمل تحت التهديد. هناك، وقف شاب يُدعى محمد بحصاص. لم يكن طبيباً، بل مهندساً تطوّع لإنقاذ الآخرين. حين طُلب منه معالجة من يحمل السلاح ضده، رفض. لم يقبل أن يساوم إنسانيته. لحظة واحدة كانت كافية… رصاصة في الرأس، ورسالة صامتة للبقية.
أربعة أيام بدت كأعوام. ثم جاءت غارات من السماء غيّرت الموازين، وأجبرت المهاجمين على الانسحاب. لكن الانسحاب لم يُرجع شيئاً.
تركوا خلفهم مدينة مكسورة.
أكثر من ألف وسبعمئة روح غادرت، ومئات الآلاف نزحوا. بيوت أُحرقت، عائلات تفرّقت، وأطفال كبروا في لحظة.
لكن الحكاية لم تنتهِ.
في زاوية أخرى، بعيداً عن صوت الرصاص، كانت معركة مختلفة تُخاض. طلاب البكالوريا، الذين حملوا أقلامهم بدل السلاح، وجدوا أنفسهم في مواجهة واقع لا يعترف بأحلامهم.
أُلغيت امتحاناتهم، ثم أُعيدت وسط الخوف. جلسوا بين القذائف يكتبون، كأنهم يتمسكون بخيط أمل. لكن الصدمة جاءت لاحقاً: شهادات بلا قيمة.
جيلٌ كامل وجد نفسه خارج التاريخ فجأة. كأن كل ما تعلّمه صار ورقاً لا يُقرأ.
ومع ذلك… لم يسقط.
في مدينةٍ تعلّمت أن تنهض من تحت الرماد، بقي الإيمان بالعلم. لأن الحرب قد تسرق البيوت وتقتل الأحباب… لكنها لا تنتصر ما دام الحلم حياً.
وهكذا، تبقى السويداء: بين الحزن والأمل، بين الصمت والصراخ.
ورغم كل شيء… ما زالت تكتب قصتها.
وأنا منها.




