لم يعد الطريق إلى الجامعة يشبه الطريق

في أعقاب أحداث 14 تموز 2025 في السويداء، وما رافقها من أعمال عنف دامية طالت المدنيين بحسب شهادات محلية وتقارير دولية، تحولت تلك اللحظة إلى جرح إنساني عميق تجاوز حدود الحدث الأمني، ليطال تفاصيل الحياة اليومية للناس، وخصوصاً فئة الشباب والطلاب. لم تكن الخسارة مجرد اضطراب عابر، بل حالة ثقيلة تركت أثرها على الشعور بالأمان، وعلى أبسط الحقوق وأكثرها بداهة: الحق في الحياة، والتنقل، والتعليم.

الأمهات أصبحن ينتظرن اتصال الوصول أكثر من انتظار نتائج الامتحانات… 
— مانا

 من بين أكثر الجوانب تأثراً بهذه الأحداث، كان مسار التعليم الجامعي. فطلاب السويداء، الذين يعتمدون أساساً على الالتحاق بجامعات خارج محافظتهم في دمشق وحمص واللاذقية وغيرها، وجدوا أنفسهم أمام واقع أكثر تعقيداً من مجرد انقطاع دراسي. فالوصول إلى الجامعة لم يعد خطوة يومية طبيعية، بل أصبح مرتبطاً بسؤال الخوف والاحتمال والقلق من الطريق نفسه، في ظل تدهور الوضع العام وتزايد الاضطراب الأمني والاجتماعي في محيط التنقل بين المحافظات.

لم يعد الطلاب يفكرون بالمحاضرات فقط، بل بالطريق نفسه. بعض الأمهات أصبحن ينتظرن اتصال الوصول أكثر من انتظار نتائج الامتحانات، فيما صار كثير من الطلاب يغادرون بيوتهم وهم يحملون شعوراً خفياً بأن العودة لم تعد أمراً بديهياً. حتى الحقائب الجامعية التي كانت ترمز لبداية يوم عادي، أصبحت أحياناً تُترك قرب الباب لساعات طويلة، بانتظار قرار السفر أو التراجع عنه خوفاً من الطريق.

وفي هذا السياق، برزت أيضاً شهادات ومخاوف متداولة حول حالات توتر ومضايقات أو اعتداءات فردية وجماعية في بعض البيئات العامة وخلال التنقل، يُنظر إليها أحياناً من زاوية الانتماء الاجتماعي أو الطائفي ضمن سياق النزاع الأوسع. ورغم أن هذه الحالات تختلف في درجة توثيقها ودقتها، إلا أن أثرها النفسي كان واضحاً وعميقاً، إذ ساهمت في تعزيز شعور واسع بعدم الأمان، انعكس بشكل مباشر على الطلاب وأسرهم، وجعل قرار متابعة التعليم الجامعي قراراً مثقلاً بالخوف والتردد.

هذه التجربة لم تعد مجرد “تعثر دراسي”، بل تحولت إلى حالة إنسانية معقدة يعيش فيها الطالب صراعاً داخلياً قاسياً بين رغبته في متابعة حلمه الجامعي، وبين الخوف الحقيقي من مغادرة المنزل في بيئة غير مستقرة. ومع استمرار مشاهد العنف وتكرارها في الوعي الجمعي، لم يعد الطريق إلى الجامعة رمزاً للمعرفة والأمل، بل أصبح مساحة قلق يومي، يرافق كل خطوة فيه شعور بعدم اليقين.

وفي ظل هذا الواقع، لم ينقطع التعليم تماماً، لكنه تغيّر في شكله وحدوده. ظهرت محاولات فردية وجماعية للاستمرار بطرق بديلة، مثل التعليم الذاتي عبر الإنترنت، أو متابعة الدراسة بشكل غير رسمي، أو اكتساب مهارات خارج الإطار الأكاديمي التقليدي. هذه المحاولات، رغم بساطتها، تعكس إصراراً هادئاً على عدم الاستسلام الكامل، وعلى الإبقاء على فكرة التعلم حيّة في أصعب الظروف.

ومع الوقت، لم يعد الخوف مرتبطاً بالأحداث نفسها فقط، بل بما تركته داخل الوعي اليومي للطلاب. فالطريق الذي كان يعني الانتقال نحو المستقبل، صار يحمّلهم شعوراً دائماً بعدم الأمان، وكأن التعليم نفسه أصبح يحتاج إلى قدر من النجاة.

وفي الوقت نفسه، يحمل هذا الواقع أثراً نفسياً واجتماعياً عميقاً على جيل كامل وجد نفسه محاصراً بين الطموح والخوف، وبين الرغبة في بناء مستقبل طبيعي، وواقع يفرض عليه التكيف مع الاستثناء لا مع القاعدة. فالتعليم هنا لم يعد مجرد مسار أكاديمي، بل أصبح مساحة إنسانية مشروطة بالقدرة على الصمود.

إن ما حدث بعد 14 تموز 2025 لم يُغلق أبواب الجامعات بشكل مباشر، لكنه أثقل الطريق إليها بالخوف وعدم اليقين، وجعل من الوصول إلى التعليم تحدياً يومياً يتجاوز الإمكانات الفردية. وهذا النوع من الانقطاع، غير المرئي أحياناً، هو الأخطر، لأنه يعيد تشكيل مستقبل جيل كامل بصمت، دون أن يترك أثراً واضحاً يمكن قياسه بسهولة.

ومع كل ذلك، ما يزال كثير من الطلاب يحاولون الاستمرار، ولو بأشكال ناقصة أو متعبة. لأن التعليم، بالنسبة لجيل كامل، لم يعد مجرد دراسة أو شهادة، بل محاولة للتمسك بحياة طبيعية وسط كل هذا الخراب. وربما لهذا يبدو الدفاع عن حق الطلاب في التعلّم اليوم، دفاعاً عن المستقبل نفسه، وعن فكرة أن الخوف لا يجب أن يحدد شكل الحياة القادمة.

كتابة: مانا